آراءبحوث ودراسات

بسنت جمال تكتب: مرحلة جديدة للعلاقات الاقتصادية المصرية-العراقية

مصطفى الكاظمى، رئيس مجلس الوزراء العراقي، ونظيره المصري الدكتور مصطفى مدبولي
مصطفى الكاظمى، رئيس مجلس الوزراء العراقي، ونظيره المصري الدكتور مصطفى مدبولي

تسعى مصر مؤخرًا إلى زيادة حجم التبادل التجاري والاستثمارات المتبادلة مع العراق، وتشييد منطقة اقتصادية ومراكز لوجستية ومناطق صناعية مشتركة، وقد ظهرت تلك المساعي في العديد من المناسبات والاجتماعات الثنائية، إذ وقّع رئيس الوزراء المصري “مصطفى مدبولي” (15) اتفاقية ومذكرة تفاهم في أكتوبر 2020 مع نظيره العراقي “مصطفى الكاظمي”، شملت مجالات مثل: النفط، والموارد المائية، والإسكان والتشييد، والنقل، وحماية البيئة، إلى جانب تبادل الخبرات في مجالات أسواق الأوراق المالية، وكذلك في مجال العدل والقضاء. وبناءً على ذلك، يهدف التحليل إلى استعراض العلاقات التجارية بين مصر والعراق في ضوء تحالف الشام الجديد، مع بيان الآفاق المستقبلية للعلاقات.

 

نظرة على العلاقات الثنائية بين مصر والعراق

 

يمكن تناول العلاقات الاقتصادية الثنائية بين مصر والعراق وفقًا لعدة محاور، كالتالي:

 

١- التبادل التجاري بين مصر والعراق منذ عام 2003:

تهدف مصر إلى زيادة صادراتها في السوق العراقية، حيث تشير البيانات إلى ضعف قيمة الصادرات والواردات بين البلدين. وتتمثل قائمة الصادرات المصرية للعراق في الأثاث، وبعض المنتجات الغذائية، والحاصلات الزراعية، والملابس الجاهزة، والمنتجات البترولية، ومستحضرات التنظيف، وأخيرًا الزيوت النباتية والحيوانية. وفيما يلي استعراض لتطور الصادرات المصرية للعراق ووارداتها منها، وانعكاس ذلك على تذبذب الميزان التجاري بينهما.

 

الشكل (1): حجم الصادرات المصرية للعراق (مليون دولار)

يتبين من الشكل السابق أن الاتجاه العام للصادرات المصرية للعراق اتجاه موجب وذلك على الرغم من انخفاض قيمتها نسبيًّا مقارنة بالصادرات المصرية للدول الأخرى، وارتفعت قيمة الصادرات منذ عام 2003 (الغزو الأمريكي للعراق) وحتى 2019 بنحو 692.6% من 51.9 مليون دولار إلى 411.4 مليون دولار. كما سجلت الصادرات أعلى مستوياتها خلال عام 2014، حيث بلغت 781.8 مليون دولار. أما عن الواردات المصرية من العراق، فيتضح من الشكل رقم (2) تذبذب الواردات المصرية من العراق خلال الفترة محل الدراسة، حيث شهدت قفزة كبيرة بعد عام 2011 إلى 678.4 مليون دولار لتنخفض بعد ذلك بحلول عام 2013. ويلاحظ تسجيل قيمة الواردات المصرية من العراق أعلى مستوياتها في عام 2018 عند 1.21 مليار دولار.

 

الشكل (2): حجم الواردات المصرية من العراق (مليون دولار)

وينعكس هذا التذبذب الواضح على أداء الميزان التجاري على النحو الذي يشير إليه الشكل رقم (3)، إذ يُمكن القول إن الميزان التجاري بين مصر والعراق لم يصب في صالح أي منهما بشكل دائم طوال الفترة محل الدراسة، حيث كان حجم التبادل التجاري بينهما يميل بمعدل متزايد لصالح مصر منذ عام 2003 وحتى 2011، ومن ثم تذبذب هذا الأمر ليصب لصالح العراق بين عامي 2015 وحتى 2018.

 

الشكل (3): الميزان التجاري بين مصر والعراق (مليون دولار)

٢- الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقّعة بين البلدين:

 

وقّع الجانبان المصري والعراقي العديد من الاتفاقيات ومذكرات التعاون على مدار العقدين الماضيين، وفيما يلي عرض لأبرز تلك الاتفاقيات:

 

يناير 2018: بروتوكول تنفيذي لإقامة منطقة التجارة الحرة بين العراق ومصر إعمالًا للبرنامج التنفيذي لاتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية.

 

نوفمبر 2003: مذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجالات الكهرباء والطاقة وُقعت في القاهرة من قبل وزير الكهرباء العراقي ونظيره المصري.

 

ديسمبر 2004: توقيع برنامج التعاون الثقافي والعلمي من قبل وزيري التعليم العالي والبحث العلمي في البلدين.

مايو 2009: توقيع مبادرة للتعاون الاستراتيجي في مجال البترول والغاز بين وزير النفط العراقي ووزير البترول المصري.

 

نوفمبر 2009: مذكرة التفاهم في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وُقعت في القاهرة بين وزيري الاتصالات العراقي والمصري.

 

يناير 2010: مذكرة تفاهم تنفيذية بين وزارتي الصحة في البلدين بشأن آلية علاج المرضى العراقيين في مصر.

 

أغسطس 2010: توقيع مذكرة تفاهم في مجال النقل الجوي بين سلطتي الطيران المدني في العراق ومصر.

 

أكتوبر 2020: وقّع رئيس الوزراء المصري والعراقي 15 اتفاقية ومذكرة تفاهم وبروتوكول تعاون بهدف تعزيز التعاون الثنائي المشترك بين البلدين، وذلك في كلٍّ من مجالات: النفط، والثروة المعدنية، والموارد المائية والري، ومجال حماية البيئة، والطرق والجسور والإسكان والتشييد، ومجال التعاون الصناعي وحماية المستهلك، فضلًا عن مذكرة تعاون بين كلٍّ من سوق العراق للأوراق المالية، والبورصة المصرية، واتفاقية للنقل البحري.

 

«الشام الجديد»: تحالف بين مصر والعراق والأردن

 

انعقدت قمة ثلاثية بين زعماء مصر والأردن والعراق في الخامس والعشرين من أغسطس 2020 لتعزيز التعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية من أجل التأسيس لمرحلة قادمة من التكامل الاستراتيجي، وقد انتهت القمة بمشروع أُطلق عليه “الشام الجديد”.

 

ويعتمد هذا المشروع على التكامل بين مصر بالعمالة والعراق بالنفط والأردن بالموقع الجغرافي بينهما، حيث يستهدف هذا التحالف حصول كل من مصر والأردن على النفط العراقي بأسعار منخفضة، وذلك عبر مد أنبوب نفط عراقي من البصرة إلى ميناء العقبة بالأردن ومن ثم إلى مصر.

 

كما يستهدف التحالف تصدير الكهرباء المصرية للعراق والأردن، وتعزيز المكانة المصرية كمركز إقليمي للطاقة، بما يُعد فرصة كبيرة لبناء المصالح الاقتصادية عن طريق تطوير المناطق الصناعية المشتركة، والتعاون في مجال المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، والتعاون في قطاعات الصحة والبنية التحتية وإعادة الإعمار، وزيادة التبادل التجاري بين الدول الثلاث. لذا يرتكز مشروع “الشام الجديد” في جوهره على التعاون الاقتصادي على الرغم من شمولية التحالف لمجمل مجالات التعاون السياسية والاستراتيجية؛ إذ سيستفيد العراق من المشروع عن طريق إيجاد أسواق لتجارته في الأردن ومصر، كما يُمكن للقطاع الخاص أن يستفيد من الخبرات الكبيرة الموجودة في مصر والأردن.

 

الآفاق المستقبلية للعلاقات المصرية-العراقية

 

تُشير المرحلة الحالية من العلاقات الثنائية بين العراق ومصر إلى إمكانية تعزيز تلك العلاقات خلال الفترة المقبلة، حيث أكّد العديد من المسئولين من كلا الجانبين أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من التعاون بين البلدين، وزيادة معدلات التبادل التجاري بينهما في ظل وجود فرص متميزة أمام صادرات مواد البناء المصرية للنفاذ للسوق العراقية. كما تحرص الحكومة المصرية على تقديم كافة أوجه الدعم لدولة العراق للمساهمة في مشروعات إعادة الإعمار وجهود تنمية وتطوير قطاعي الصناعة والتجارة.

 

ومن المرجّح أن تشمل مجالات التعاون المستقبلية تشييد مركز تجاري للمنتجات المصرية في بغداد، وإنشاء منطقة لوجيستية لتخزين البضائع المصرية على الحدود العراقية الأردنية، مع تبادل المعلومات التجارية وبيانات المصدّرين والمستوردين، مع ضمان حرية انتقال السلع المصرية للسوق العراقية، بالإضافة إلى التعاون في مجالات البترول والغاز والكهرباء والطاقة والإسكان والمقاولات والنقل البري والبحري والجوي.

 

وفي السياق ذاته، صرحت وزيرة التعاون الدولي المصرية “رانيا المشاط” بأن الجانبين المصري والعراقي يسعيان إلى إزالة كافة المعوقات نحو تعزيز التعاون المشترك بين الدولتين، وتحقيق التكامل الاستراتيجي على المستوى الاقتصادي والتجاري والاستثماري.

 

كما سيتم تنظيم التعاون المشترك في مجالات التنمية البشرية من صحة وتعليم وتعاون ثقافي وإعلامي ورياضي وشبابي وتمكين المرأة، ونقل الخبرة المصرية في مجال التحول الرقمي، حيث تزداد أهمية التعاون في هذا المجال في ضوء ما تعانيه الدول بسبب جائحة كورونا.

•••

بسنت جمال : باحث بوحدة الاقتصاد ودراسات الطاقة، بالمركز المصري للفكر للدراسات الاستراتيجية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى