آراءأقلام حرة

بادية شكاط تكتب: الحرية المتساوية لعدالة حقيقية

العدالة من أقدم القضايا الفكرية التي كثر حولها الجدل
العدالة من أقدم القضايا الفكرية التي كثر حولها الجدل

وقد بلغ الطغيان في العالم، مبلغ النور والظل في الأرض، صار لزامًا البحث عن سبيل لتقليم أظافر الظلم الشرسة، وتحقيق العدالة الحقيقية، بعيدًا عن شعارات جوفاء، تتصاعد في كل الأزمات،كتصاعد الدخان في السماء.

ففكرة العدالة هي من أقدم القضايا الفكرية التي كثر حولها الجدل، ذلك أنها ليست فكرة مستقلة بذاتها، بل هي فكرة متداخلة الوشائج مع فكرة الحرية، فكثيرًا ما تُهدم شجرة العدالة بمعوَل الحرية، أو يُهدم صرح الحرية حفاظًا على عرش لا ينبغي أن يكون، إلا بحكم العدالة،فنرى أنظمة حكم تهدم الحريات، للاحتفاظ بعروشها مدى الحياة، معتقدين أنّ السلطة تخوّلهم ذلك،فصارت المنفعة غايتهم التي يرجون، والمصلحة الخير المُطلق الذي ينشدون، فكل حاكم يسعى قدر المستطاع، ليكون أميرًا ميكيافيليًا مُطاع، فحَلّ في العالم الفساد، وطفح الاستبداد.

ما يجعل مفهوم العدالة فضفاضًا يَضيق بكل تعريف، فأفلاطون من قرون خلت، رأى مسألة العدالة مسألة بسيطة، إنما مشروطة، فقال: “إنّ مسألة العدالة مسألة بسيطة لو كان الناس بسطاء، إنهم لا يقتنعون بالحياة البسيطة، وهم بطبعهم يميلون إلى الغيرة، الطموح، المنافسة، وامتلاك ما ليس لهم، ما يدفعهم إلى التنازع، وأحيانًا الحروب، وحب امتلاك القوة والنفوذ”

وهي الطبيعة البشرية التي تناولها بشكل مختلف جون جاك روسو صاحب كتاب “العقد الاجتماعي” والذي افتَتحه بمقولته الشهيرة: “وُلد الإنسان حرًّا إلا أنه مكبَّل في كل مكان بالأغلال، ولذلك يتصور نفسه سيّد الآخرين، الذي لا يعدو أن يكون أكثرهم عبودية”.

ويقصد بذلك أنّ تاريخ الإنسان ينقسم إلى مرحلتين: الأولى مرحلة سابقة على وجود الحكومة، كان فيها الإنسان خاضعًا للقانون الطبيعي الفطري، ومرحلة لاحقة، اضطر خلالها الإنسان للخروج من الحالة الطبيعية، فاتّفق مع بني جنسه على إيجاد نظام اجتماعي يخضع فيه كل فرد إلى حكم المجموع، مقابل قيام المجموع بحمايته، فيتنازل عن حريته لأجل حقوقٍ يتمتّع بها مع غيره، ويتبادل واجبات، ضمن التزام أبدي يُشبه العقد.

لذلك فان العقد الاجتماعي بالنسبة لروسو، هو شرط أساسي لكل سلطة تريد أن تكون شرعية, وتطور تاريخي من حالة الطبيعة إلى المجتمع المدني، فما يخسره الإنسان من جراء العقد الاجتماعي, هو الحرية والحق اللا محدود الذي كان يتمتع بهما في الطبيعة، وما يربحه بالمقابل هو الحرية المدنية، التي تُكتسبه الحرية الأخلاقية، فالخضوع للشهوة عبودية, والانصياع للقانون الذي ألزمنا أنفسنا به حرية.

غير أن عقد روسو كعِقد انفرط، عند استمساك حلقاته، فليس كل خضوع لسلطة قانونية يمكن أن يُحقق العدالة، ذلك لأنّ صاحب السلطة كثيرًا ما يخضع بدوره لسلطات خفيّة، هي أهواؤه الذاتية، والتي كثيرًا ما يراها خير مُطلًق، لأنها تحقق منفعة الأنا الآنية، والتي كما قال نيتشه لا تختلف عنده، عن أنانية من يبحث عن منفعة مؤجّلة في جنة أبدية، ولذلك فإن قوانينه كما ينطق بها لسان حال الأنظمة الديكتاتورية، قوانين جبرية، لا يملك أمامها الشعب أي حرية، إذ يكبّل أصحاب السلطات، كل ما تملك الشعوب من حريات، استعبادًا، قمعًا واستبدادًا،كحرية التعبير، والحريات الفكرية، فقط لأجل تحقيق ما يرجون من مآرب وغايات، وفي المقابل هناك سلطات حكم شبه ديمقراطية،تتيح لشعوبها حرية الاختيار، غير أنها تبقى مجرد ممارسات فارغة،لا تحقق الخير والمنفعة، سوى للفئات القوية، وهو ما يدعوه جون راولز في كتابه “نظرية في العدالة” حِجاب الجهل.

فالحرية إذن، تكون مطلَقة ما كانت خاصة وفردية، لا تمس المصلحة العامة، وحرية مقيّدة عامة، يتفق في نطاقها الجميع، على قوانين وضعية، يمارسونها ضمن حدود الدولة المدنية، غايتها حراسة العدالة الحقيقية، والتي لا تكون إلاّ ظِلالاً لشمس الحرية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى