تقارير

استفتاء الانفصال في شمال العراق وآثاره داخليًا وخارجيا

اختار قادة إقليم شمال العراق توقيتًا يراه البعض مستفزًا داخليًا وخارجيًا لإجراء استفتاء على انفصال أكراد العراق بدولة جديدة عن الحكومة المركزية في بغداد، والمشغولة حاليًا بالحرب ضد “داعش”.

وبالرغم من التحذيرات الأمريكية والتركية ومن ورائهما الإيرانية؛ غير أن قيادة إقليم الشمال العراقي وعلى رأسها مسعود بارزاني تبدو غير عابئة بالوضع الدولي الخطير، ووضع المنطقة المشتعل والذي لا ينقصه أزمة جديدة قد تزيد من إضرام النار في المنطقة.

فالاستفتاء المقرر إجراؤه، يوم 25 سبتمبر المقبل، في محافظات الإقليم الثلاثة، وهي أربيل، ودهوك، والسليمانية، إضافة إلى مناطق متنازع عليها بين أربيل وبغداد، بينها محافظة كركوك (شمال)، التي تسيطر عليها “البيشمركة”، وهي قوات الإقليم الكردي المتمتع بحكم ذاتي منذ عام 1991، لا نية للقيادة الكردية في الرجوع عنه.

والتصميم الكردي على إجراء الاستفتاء أوجد جناحين داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة رئيس الإقليم، مسعود بارزاني، كما أحيا المشاكل الداخلية في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة، الرئيس العراقي السابق، جلال طالباني (2005-2014)، وهما أكبر حزبين في الإقليم.

انقسامات 

مسؤول رفيع المستوى في الحزب الديمقراطي الكردستاني قال للأناضول إن “الحزب انقسم إلى جبهتين، الأولى تضم مسعود بارزاني ونجله مسرور، مسؤول الأمن في الإقليم، وسكرتير الحزب، فاضل ميراني، وهذه الجبهة تؤيد إجراء الاستفتاء والانفصال تماما عن العراق، وتعتبرها فرصة لن تتكرر”.

المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لحساسية الملف، مضى قائلا إن “الجبهة الثانية تضم رئيس حكومة الإقليم، نيجيرفان بارزاني، ونواب أكراد في البرلمان الاتحادي وآخرين أعضاء في برلمان الإقليم، وهذه الجبهة تريد البقاء ضمن العراق الموحد، وأن يكون الاستقلال اقتصاديا فقط، على أن يتم التفاهم مع حكومة (رئيس الوزراء العراقي حيدر) العبادي لاحقا بشأن بقية التفاصيل”.

بدوره، كشف عضو حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، طارق جوهر، عن “وجود خلاف جديد في الاتحاد، فبينما تقف القيادية بالحزب، هيرو إبراهيم، زوجة زعيم الحزب، جلال طالباني، ضد إجراء الاستفتاء، يؤيده نائبا طالباني، وهما برهم صالح وكوسرت رسول”.

وشدد جوهر، في تصريحات للأناضول، على أن “الجبهة المؤيدة لإجراء الاستفتاء تدرك جيدا عدم وجود دعم له، وتعول على دول (لم يسمها)”.

حصار محتمل

ووفق الخبير السياسي الكردي، هفال زاخوي، فإن رئيس الإقليم “مسعود بارزاني يعول كثيرا على المملكة العربية السعودية في دعم الاستفتاء والانفصال عن العراق، لرغبة المملكة في إيجاد دولة كردية سُنية موالية للرياض في مواجهة إيران”، التي تتمتع بنفوذ كبير في بغداد، حيث الحكومة، التي يغلب عليها الشيعة.

ومضى زاخوي قائلا للأناضول إن “الشعب الكردي يفضل حل مشاكل الكهرباء ورواتب الموظفين، وتحسين واقع المواطنين المعيشي، بدلا من إجراء الاستفتاء، فضلا عن ارتفاع ثقافة المواطن الكردي، الذي يعتبر قضية الاستفتاء محاولة لشراء الأصوات الانتخابية”.

ومن المقرر إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في الإقليم الكردي، في السادس من نوفمبر.

ومستشرفا مرحلة ما بعد إجراء الاستفتاء، حذر النائب في البرلمان العراقي عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، ماجد شنكالي، من احتمال أن “يواجه الأكراد حصارا دوليا بسبب الاستقلال عن بغداد”.

واعتبر شنكالي، في تصريحات للأناضول، أن “ردود الأفعال الرافضة لقرار استفتاء واستقلال الإقليم الكردي محليا ودوليا كانت متوقعة”.

طالباني وبارزاني

ورغم أن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني كان أحد أبرز الموقعين على اتفاق إجراء الاستفتاء، إلا أن رئيسة كتلته في البرلمان العراقي، آلا طالباني، قالت إن مسعود بارزاني “يمارس سياسة الاستغفال مع الأكراد”.

ودعت طالباني، في تصريحات للأناضول، بارزاني إلى “الالتزام بالدستور، واحترام الحكومة الاتحادية والبرلمان”، وحثت الجميع على “التعاون لإنهاء الأزمات التي يمر بها العراق”.

أما حركة “التغيير” الكردية، وكانت أحد أبرز الغائبين عن الاجتماع الذي أفضى إلى تحديد موعد الاستفتاء، فاعتبرت قيادية فيها قرار الاستفتاء بأنه “لا يمثل إرادة جميع الكتل الكردية، وجاء تحقيقا لمصالح بارزاني”.

وقالت النائبة عن الحركة في البرلمان العراقي، تافكة أحمد، في تصريح للأناضول، إن “بارزاني يحاول التشبث بالسلطة منفردا عبر قراراته، التي قد تودي بمصير الإقليم مستقبلا إلى المجهول”.

رفض دولي

ودوليا، أعلنت كل من الولايات المتحدة وألمانيا وروسيا وإيران وتركيا والاتحاد الأوربي رفضها إجراء الاستفتاء، وحذرت الأكراد من احتمال إشعال فتيل أزمة جديدة في المنطقة.

واعتبرت واشنطن أن الاستفتاء سيصرف النظر عن الأولويات الأكثر أهمية، مثل هزيمة “داعش”، وطلبت من حكومة الإقليم تأجيل الاستفتاء، لكن الأخيرة ترفض.

فيما جددت موسكو دعوتها إلى “دعم وحدة أراضي العراق”.

ودعا الاتحاد الاوروبي حكومة الإقليم إلى “المشاركة بحوار بناء مع الحكومة العراقية، والعمل على حل متفق عليه”، مشددا على أن “مصلحة الأكراد تتطلب التمسك بالوحدة الوطنية”.

فيما تشدد أنقرة التي اعتبرت توقيت هذا الإعلان مستفزًا على أن الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية، مرتبط بإرساء الأمن والسلام والرخاء في المنطقة.

وتعارض الحكومة العراقية إجراء الاستفتاء، وتقول إن أي قرار يتعلق بمصير العراق يجب أن لا يتخذ بمعزل عن الآخرين.

ونتائج استفتاء الشهر المقبل غير ملزمة، ما يعني أن السكان إذا صوتوا بنعم، فلن يفضي ذلك مباشرة إلى إعلان الانفصال عن العراق، حيث يعتزم زعماء الإقليم الكردي التفاوض مع بغداد للوصول إلى اتفاق انفصال. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى