الأمة الثقافية

امتداد اللهجات العربية القديمة في بعض اللهجات المعاصرة

يسري الخطيب
Latest posts by يسري الخطيب (see all)

امتداد اللهجات العربية القديمة في بعض اللهجات المعاصرة
د. رمضان عبد التواب

 


في ظن كثير من الناس أن اللهجات الحية المعاصرة في البلاد العربية المختلفة، ليست إلا انحطاطا من العربية الفصحى، وليس هذا الظن إلا وليدا لاعتقادهم بأن العربية الفصحى، كانت هي اللغة الوحيدة السائدة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، وأنها فسدت باختلاطها باللغات المجاورة، عقب الفتوحات الإسلامية.

 

غير أن ذلك الظن، ليس إلا سرابا خداعا، فقد روي لنا الكثير والكثير جدا، عن تعدد اللهجات العربية القديمة، بتعدد القبائل المختلفة، وهذا يتفق مع ما ينادي به بعض المحدثين من علماء اللغة، من أنه يستحيل على أية مجموعة بشرية تشغل مساحة شاسعة من الأرض، أن تحتفظ في لهجات الخطاب بلغة موحدة.


نعم … فقد كانت الجزيرة العربية قبل الإسلام، تموج بشتى اللهجات المتباينة، التي يخالف بعضها بعضا، في شيء من الصوت، أو البنية، أو الدلالة، أو التركيب … ولكن اللغويين العرب، لم يصفوا لنا تلك اللهجات العربية القديمة وصفا دقيقا كاملا في كثير من الأحيان، وذلك لانشغالهم في المقام الأول بالعربية الفصحى، تلك اللغة الأدبية المشتركة، بين مجموع القبائل العربية، والتي كانوا يستخدمونها في مواقف الجد من القول، وينظمون بها أشعارهم، ويصبون فيها حكمهم وأمثالهم، ثم شرفها الله تعالى، فأنزل كتابه الكريم، بأعلى ما تصبو إليه هذه اللغة من فصاحة وبلاغة.


ومنذ ذلك الحين، ارتبطت هذه اللغة بالقرآن الكريم، واجتهد النحاة واللغويون في دراستها، وتحديد معالمها، من نواحي الأصوات، والصيغ والأبنية، والدلالة، وتركيب الجملة، ووظيفة الكلمة في داخل هذا التركيب.
ومع أن الهدف الأساسي عند هؤلاء اللغويين، كان هو محاولة رسم معالم اللغة الأدبية، لغة القرآن الكريم والشعر والخطابة، وغير ذلك من الفنون الأدبية، وهي تلك اللغة التي اصطلحنا على تسميتها بالفصحى، فإننا نراهم يروون لنا في بعض الأحيان، مقتطفات مبتورة، عن تلك اللهجات العربية القديمة، معزوة إلى أصحابها حينا، وغير معزوة حينا آخر، ومختلطة بالفصحى كذلك في بعض الأحيان.


وتمتلئ المصادر العربية القديمة، بالحديث عن كثير من خصائص هذه اللهجات القديمة، كفحفحة هذيل، وعنعنة تميم، وتلتلة بهراء، وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوزان، وقطعة طيئ، وعجعجة قضاعة، وغير ذلك من الظواهر اللهجية، الملقبة بألقاب مختلفة عند اللغويين العرب، كما حدثونا عن شيء كثير من الظواهر، التي لم يلقبوها لهذه القبيلة أو تلك.


وإن من يتأمل هذا الذي روي لنا عن اللهجات القديمة، في بطون المصادر العربية، يخرج بنتيجة صريحة واضحة، وهي أن ما نراه الآن في بعض لهجاتنا الحية المعاصرة، ليس في بعض ظواهره، إلا امتدادا لهذا الذي روي لنا في القديم.


وفيما يلي نضرب بعض الأمثلة على ذلك:
نحن نعرف أن العربية الفصحى، تفتح حرف المضارعة في الثلاثي، في نحو: يكتب، ويفتح ويضرب، ويقول، ويبيع، ويروي، وغير ذلك، على حين نرى كثيرا من اللهجات الحية المعاصرة في البلاد العربية المختلفة تكسر حرف المضارعة في هذه الأمثلة وأشباهها. وهذا عينه هو ما رواه لنا أكثر القدماء عن قبيلة “بهراء”، وتعرف هذه الظاهرة عند هؤلاء القدماء باسم: “تلتلة بهراء”.


وعزاها صاحب لسان العرب إلى كثير من القبائل العربية، فقال: “وتِعلم، بالكسر: لغة قيس، وتميم، وأسد، وربيعة، وعامة العرب. وأما أهل الحجاز، وقوم من أعجاز هوزان، وأزد السراة، وبعض هذيل، فيقولون: تَعلم، والقرآن عليها. وزعم الأخفش أن كل ما ورد علينا من الأعراب، لم يقل إلا تِعلم بالكسر”. ويقول الفراء إن النون في نستعين “مفتوحة في لغة قريش. وأسد وغيرهم يكسرها”.


وقد جاءت هذه الظاهرة، في رجز لحكيم بن معية الربعي، وهو:
لو قلت ما في قومها لم تِيثم … يفضلها في حسب وميسم
أي: “لم تأثم”، التي صارت بعد كسر حرف المضارعة: “تِئثم”، وخففت الهمزة فصارت: “تِيثم” كما في البيت.
وقد روى ابن جني بيتا عن أعرابي من بني عقيل، كسرت فيه الهمزة في الفعل: “أخاف”، فقال: وأنشدني عقيلي فصيح لنفسه:
فقومي هم تميم يا مماري … وجوثة ما إِخاف لهم كثارا
فكسر الهمزة من: “إخاف”.


كما روى ابن الأنباري بيتا للمرار الفقعسي، كسر فيه التاء من: “تعلم” في قوله:
قد تِعلم الخيل أياما تطاعنها … من أي شنشنة أنت ابن منظور
وقال بعده: “قال أبو بكر: قال أبي: أنشدنيه أبو جعفر: قد تِعلم، بكسر التاء، وقال: هي لغة بني أسد، يقولون: تِعلم، وإِعلم، ونِعلم، ومثله كثير”.


وقد قرئ بهذه اللغة، في بعض القراءات الشاذة، فقد رُوي عن يحيى بن وثاب، والأعمش، وطلحة بن مصرف، وحمزة بن حبيب الزيات، أنهم قرءوا قوله تعالى: “ولا تِركنوا للذين ظلموا فتِمسكم النار” [هود: 113] بكسر التاء في الفعلين. وقال ابن جني في التعليق على هذه القراءة: “هذه لغة تميم، أن تكسر أول مضارع ما ثاني ماضيه مكسور، نحو عَلِمْت تِعْلَم، وأنا إِعْلَم، وهي تِعْلَم، ونحن نِرْكَب. وتقل في الياء، نحو: يِعْلَم، ويِرْكَب، استثقالا للكسرة في الياء، وكذلك ما في أول ماضيه همزة وصل مكسورة، نحو: تِنطلق، ويوم تِسود وجوه وتِبيض وجوه”.


وهذه الظاهرة -ظاهرة كسر حرف المضارعة- سامية قديمة، توجد في العبرية1، والسريانية، والحبشية. والفتح في أحرف المضارعة، حادث في رأيي، في العربية القديمة، بدليل عدم وجوده في اللغات السامية الأخرى، وبدليل ما بقي من الكسر في كثير من اللهجات العربية القديمة.


وهناك دليل ثالث على أصالة الكسر في حروف المضارعة، في اللغات السامية، وهو استمراره حتى الآن في اللهجات العربية الحديثة كلها؛ إذ نقول مثلا: “مين يِقرا ومين يِسمع؟ “، بكسر حرف المضارعة، في لغة التخاطب اليومية، ولم يبق فتح حرف المضارعة في اللهجات الحديثة -فيما أعلم- إلا في لهجة نجد، إذا كانت فاء المضارع ساكنة، مثل: يَرْمي، ويَلْعب، ويَرْكض. ولا يكسر حرف المضارعة في هذه اللهجة، إلا إذا كان ما بعده متحركا، مثل: يِسُوق، ويِنُوم “مضارع: نام”، ويسابق، ويلاكم، ويهاوش، وغير ذلك.


وقد بقيت بعض آثار هذا القديم، في العربية الفصحى نفسها، في بعض الأمثلة؛ إذ يكسر في الفصحى حرف المضارعة، في: “إِخال” بمعنى: “أظن” في كثير من النصوص التي وصلت إلينا. ومن شواهده قول أبي ذؤيب:
فغبرت بعدهم بعيش ناصب … وإِخالُ أني لاحق مستتبع
وقول العباس بن مرداس:
قد كان قومك يحسبونك سيدا … وإِخالُ أنك سيد معيون
وقول زهير بن أبي سلمى:
وما أدري وسوف إِخالُ أدري … أقوم آل حصن أم نساء
وقول كعب بن زهير:
أرجو وآمل أن تدنو مودتها … وما إِخالُ لدينا منك تنويل


وهذا هو ما سميناه هنا من قبل: “الركام اللغوي للظواهر المندثرة في اللغة”، ومعناه أن الظاهرة اللغوية، قبل أن تموت، قد تبقى منها أمثلة، تعين على معرفة الأصل.


ومن الأمثلة التي تؤيد ما نذهب إليه، من أن اللهجات المعاصرة ليست إلا امتدادا لشيء من اللهجات العربية القديمة أيضا، ما يشيع في بعض اللهجات العربية الحديثة، في مصر وغيرها، من استعمال اسم المفعول من الفعل الأجوف اليائي على التمام، أي على وزن مفعول، دون إعلال يطرأ عليه، فيقول الناس في مصر مثلا: “فلان مديون، أي عليه دين، ومريوح، أي ضعيف لا يقدر على حمل الأثقال، ومطيور، أي متسرع في عمله، ومخيول: أي منشغل بما في خياله من أوهام. كما يقال في بعض البلاد العربية عن الثوب إنه مخيوط، وعن فلان من الناس إنه مهيوب، وعن الشيء إنه معيوب ومبيوع، وعن الحب إنه مكيول … وغير ذلك.
والعربية الفصحى تُعِل هذه الأسماء وما يشابهها بما يسمى الإعلال بالنقل، فتقول مثلا: مَدِين، ومَخِيط، ومَعِيب، ومَبِيع، ومَكِيل، وغير ذلك.


غير أن هذا الذي قد شاع في اللهجات العامية المعاصرة، ليس إلا لهجة لقبيلة تميم، من القبائل العربية القديمة. قال البغدادي في التعليق على قول العباس بن مرداس السلمي:
قد كان قومك يحسبونك سيدا … وإِخالُ أنك سيدا مَغْيُون
“قوله: “مغيون، جاء على لغة تميم. ولغة غيرهم: مَغِين … ومغيون -بالغين المعجمة- اسم مفعول من قولهم: غِين على قلبه، أي: غُطِّي عليه. وفي الحديث: “وإنه ليغان على قلبي”. ولكن الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف. وقد رُوي بالعين غير المعجمة، أي مصاب بالعين. والأول هو الوجه، وكلاهما مما جاء فيه التصحيح، وإن كان الاعتلال فيه أكثر كقولهم: “طعام مزيوت، وبر مكيول، وثوب مخيوط. والقياس: مَغِين، ومَزِيت، ومَكِيل، ومَخِيط”.


وقد أشار سيبويه إلى هذه اللغة، وإن لم ينسبها إلى تميم، فقال: “وبعض العرب يخرجه على الأصل، فيقول: مخيوط ومبيوع”3. وكثير من هذه الكلمات السابقة، تذكر في بعض المعاجم العربية، بالتصحيح والإعلال، جنبا إلى جنب، دون نسبة إلى قبيلة معينة”.


ومن الأمثلة على موضوعنا كذلك: ما شاع على ألسنة الناس من قولهم في لهجات الخطاب: “ظلموني الناس” و”لامني العواذل” و”زارونا الجيران” و”تَنُّو صاحي لحد ما رجعوا العيال من بره”، أي بإلحاق الفعل علامة جمع، وهو متقدم على الفاعل المجموع.


ومن المعروف في العربية الفصحى، أن الفاعل يجب إفراده دائما، حتى وإن كان فاعله مثنى أو مجموعا، أي أنه لا تتصل به علامة تثنية ولا علامة جمع، للدلالة على تثنية الفاعل أو جمعه، فيقال مثلا: “قام الرجل” و”قام الرجلان” و”قام الرجال” بإفراد الفعل: “قام” دائما؛ إذ لا يقال في الفصحى مثلا: “قاما الرجلان” ولا “قاموا الرجال”.


تلك هي القاعدة المطردة في العربية الفصحى، شعرا ونثرا. أما قبيلة طيئ القديمة، فقد روي لنا عنها2 أنها كانت تلحق الفعل علامة تثنية للفاعل المثنى، وعلامة جمع للفاعل المجموع. وقد حُكيت لنا هذه اللغة كذلك، عن قبيلة “بلحارث بن كعب”، وقبيلة “أزد شنوءة”، وهما من القبائل اليمنية، التي تمت لأصل قبيلة طيئ بصلة.
وقد عرفنا من قبل أن مقارنة اللغات السامية أخوات العربية، وهي: العبرية والآرامية والحبشية والأكادية، تدل على أن الأصل في تلك اللغات، أن يلحق الفعل علامة التثنية والجمع، للفاعل المثنى والمجموع، كما تلحقه علامة التأنيث، عندما يكون الفاعل مؤنثا، سواء بسواء.


كما ذكرنا من قبل أيضا أن هذه اللغة هي التي تعرف عند علماء النحو باسم “لغة أكلوني البراغيث”. ويبدو أنها كانت شائعة كذلك في عصر الحريري “المتوفى سنة 516هـ” الذي عدها من اللحن، ورد عليه الشهاب الخفاجي، فقال: “وليس الأمر كما ذكره، فإن هذه لغة قوم، من العرب، يجعلون الألف والواو، حرفي علامة للتثنية والجمع، والاسم الظاهر فاعلا، وتعرف بين النحاة بلغة: أكلوني البراغيث؛ لأنه مثالها الذي اشتهرت به، وهي لغة طيئ، كما قاله الزمخشري. وقد وقع منها في الآيات، والأحاديث، وكلام الفصحاء ما لا يحصى”.
وقد بقيت هذه الظاهرة، شائعة -كما قلنا- في كثير من اللهجات العربية الحديثة. وهي امتداد للأصل السامي واللهجات العربية القديمة، بلا شك.


ومن الظواهر اللغوية الشائعة في اللهجات المعاصرة، وهي امتداد للقديم كذلك: ظاهرة سقوط الهمزة، في غير أول الكلمة كثيرا، مثل قولنا في لهجات الخطاب: بير، وياكل، وراس، ويملا، ويقرا، وريّس، وخطيّة، ورُوس، وفوس، وعَباية، ومِلاية، ويودي، وجِينا، ومروة، ونحو ذلك، بدلا من بئر، ويأكل، ورأس، ويملأ، ويقرأ، ورئيس، وخطيئة، ورءوس، وفئوس، وعباءة، وملاءة، ويؤدي، وجئنا، ومروءة، وغير ذلك في العربية الفصحى.


كما يقع الهمز من أوائل بعض كلمات العامية، في حالات قليلة، مثل: سنان، في أسنان، وسبوع، في: أسبوع، وإيه اللي صابك؟ في: أصابك، وبراهيم، وسماعين، في: إبراهيم وإسماعيل، ويوم الحد، في: يوم الأحد، وغير ذلك.


وليست هذه الظاهرة في اللهجات المعاصرة، إلا امتدادا لما كان عند الحجازيين القدماء، في نطقهم لهذه الكلمات وأمثالها.


ومع أن هذا الصوت أصيل في اللغات السامية، فإن الجهد العضلي الذي يتطلبه في نطقه، أدى إلى ضياعه في كثير من اللغات السامية، واللهجات الحجازية القديمة في العربية، قال ابن يعيش: “اعلم أن الهمزة حرف شديد مستثقل، يخرج من أقصى الحلق؛ إذ كان أدخل الحروف في الحلق، فاستثقل النطق به؛ إذ كان إخراجه كالتهوّع، فلذلك الاستثقال ساغ فيه التخفيف، وهو لغة قريش، وأكثر أهل الحجاز، وهو نوع استحسان لثقل الهمزة، والتحقيق لغة تميم وقيس”.


ولهذا السبب لم يبق هذا الصوت على حاله، في كثير من اللغات السامية، منذ زمن قديم، ولم يكن العرب على سواء في معاملة هذا الصوت، في العصر الجاهلي، فلم يكن ينطق به على صورته الأصلية إلا القبائل النجدية، وبخاصة تميم وقيس. ويسمى اللغويون العرب نطقهم هذا: بتحقيق الهمز، كما رأينا في نص ابن يعيش السابق.
وقد تبنت العربية الفصحى لغة القرآن الكريم، هذا التحيقق للهمز، وسارت فيه على الأصل إلا في كلمات قليلة اقترضتها من اللغة القرشية.


أما القبائل الحجازية3، وعلى رأسها قبيلة قريش، فإنها كانت تسقط الهمزة من نطقها، في غير أول الكلمة، في غالب الأحيان4، قال أبو زيد الانصاري: “أهل الحجاز وهذيل، وأهل مكة والمدينة لا ينبرون، وقف عليها عيسى بن عمر، فقال: ما آخذ من قول تميم إلا بالنبر، وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا. قال: وقال أبو عمر الهذلي: قد توضيت، فلم يهمز وحولها ياء، وكذلك ما أشبه هذا من باب الهمز”.


وقال ابن منظور: “ولم تكن قريش تهمز في كلامها. ولما حج المهدي قدم الكسائي يصلي بالمدينة، فهمز، فأنكر أهل المدينة عليه، وقالوا: تنبر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن؟! “.


كما قال ابن عبد البر في التمهيد: “قول من قال: نزل القرآن بلغة قريش، معناه عندي: في الأغلب؛ لأن لغة غير قريش موجودة في جميع القرآن، من تحقيق الهمزة ونحوها، وقريش لا تهمز”.


وهذا كله معناه أن لهجة الحجازيين الأصلية، تسهيل الهمز. أما قول عيسى بن عمر الثقفي فيما تقدم: “فإذا اضطروا نبروا”، فيمكن أن يكون معناه أن الحجازيين، إذا اصطنعوا اللغة المشتركة، أي اللغة العربية الفصحى، حققوا الهمز، كما يمكن أن يكون عيسى بن عمر قد قصد بذلك، الهمزة التي توجد في أول كلمة.


ولذلك يعد الجواليقي “المتوفى سنة 539هـ” سقوط الهمز من أول الكلمة، على ألسنة الناس في عصره، من اللحن، فقد روي لنا مثلا أن الناس كانوا يسقطون همزة “أبو” في كلامهم، فقال: “وهو أبو رياح، لهذا الذي يلعب به الصبيان وتديره الريح، ولا تقل: بُرْياح. وكذلك يقولون للقرد: بُوزَنَّة، وإنما هو: أبو زَنَّة، وهي كنيته”.
ولا تزال هذه الظاهرة شائعة في تونس والجزائر مثلا، في قولهم: “بومدين” و”بوتفليقة”، و”جميلة بوحريد”. وكان لنا زميل تونسي بجامعة ميونخ اسمه: “عثمان بوغانمي”. كما تشيع هذه الظاهرة في بعض الأسماء في الجزيرة العربية، مثل: “باحسين” و”باخشوين” و”باكلا” و”بابطين”.


ولسنا نريد هنا الإكثار من الأمثلة، التي تدل على مذهبنا، في أن كثيرا من الظواهر اللهجية المعاصرة في العربية، ليست إلا امتدادا لشيء من القديم. ويكفي أن نذكّر هنا بكشكشة ربيعة، التي تشيع في بلاد الخليج العربي، وبعض قرى مصر، وكسكسة هوزان، التي تشيع في كثير من بلاد نجد، وإبدال بني تميم الجيم ياء، وامتداد ذلك في جنوبي العراق وبلدان الخليج، في مثل: مسيد، ودياي، وريال، بدلا من: مسجد، ودجاج، ورجل …
وغير ذلك كثير كثير … يحتاج بحثه واستقصاؤه إلى شيء من الصبر، وكثير من الجهد … الصبر على قراءة المطولات من أمهات كتب العربية، والجهد في التقصي والتتبع والتفسير … والله الموفق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى