الأمة الثقافية

الوجود العربي في اللغة الإسبانية

ترجمة: مصطفى مهدي

إسبانيا ترتبط بقوَّة بالعالم الإسلامي، وليس لدى إسبانيا فقط علاقاتٌ دبلوماسية قوَّية بعددٍ كبير من الدول العربيَّة، ولكن لديها أيضًا الوجود الحقيقي للحضارة الإسلامية بشبهِ الجزيرة الأَيْبيريَّة على مدى قُرابة ثمانيةِ قرون منذ العهد الأندلسي.

الأندلسُ التي كانت تسمَّى أيضًا “أَيْبيرية المُورويَّة” يمكن وصفُها باعتبارها الأمَّةَ والمنطقةَ التي حكمها المسلمون منذ بداية الخلافة في قرطبة عام 711 إلى سقوط غرناطةَ عام 1492.

ظلَّت المنطقة تتغيَّر بصورة ثابتةٍ طوال هذه الفترة، كما حدثَ بطريقة الحُكم أيضًا، حتى بلغت الأندلسُ أكبرَ توسُّعاتِها في القرن العاشر، عندما شكَّلت ثلاثةَ أرباعِ شبة جزيرة أَيْبريا.

بعد سقوط غرناطة حاول الحكَّام الإسبانُ محوَ آثار مسلمي أَيْبيريا، ولعدَّة قرون كان لدى إسبانيا موقفٌ مزدوج تجاه الوجود الممتدِّ زمنًا طويلاً لمسلمي أَيبيريا على أراضيها.

فبعضُ العلماء من ناحيةٍ أكدوا تفوُّق الحضارة الأندلسية على الحضارة الأوربية في ذلك الوقت، ومِنَ الناحية العقلية ازدهرتْ شبهُ الجزيرة تحت حُكم العرب الذين أنتجوا علومَ الفلسفة والرياضيَّات والهندسة المِعمارية الإسلامية، بالإضافة إلى المعارف اليونانية؛ مثل: الفلسفة والطب وعلم الفلك، وهؤلاء الدارسونَ غالبًا ما يوظِّفون هذا على أنَّه حجة أن إسبانيا كانت مختلفة عن باقي الدولة الأوروبية.

ومن ناحية أخرى فقد طبَّق العرب دينًا مختلفًا، والدولة كانت منظَّمة بطريقة مختلفة، والثقافة اختلفتْ بصورةٍ كبيرة عن الثقافة الإسبانية؛ ونتيجة لذلك رأى كثيرٌ من العلماء الوجودَ الطويل لمسلمي أَيبيريا بالقرن الثامن على شبهِ الجزيرة الأَيْبيرية – إعاقةً لتطوُّر الثقافة الإِسبانية.

وسواءٌ أشكَّلت الأندلس استمرارًا أم إعاقةً للثَّقافة والتاريخ الإسباني، فقد ترك الوجودُ الممتد للمسلمين – بصورة لا تقبل المجادلةَ – إرثًا على شبه الجزيرة، يُرى أثرُه بوضوح في اللُّغة الإسبانية.

الإسبانية لغة رومانسية[1]؛ فقد نشأتْ عن اللهجات الشعبية المحلِّية اللاتينية بشمال شبه الجزيرة، وقُبيل هذا تأثرت اللاتينية بالعديد من اللُّغات الأيبيرية المحلية؛ مثل: الكلتية[2] ولغةِ الباسك، إلا أنها اكتسبت أكثرَ التأثيرات الخارجية أهميةً من فترة الأندلس في العصور الوسطى.

وبالرغم من كون العربية الفصحى كانت اللغة الرسمية للأراضي الإسلامية، إلا أنه قد وجد لغتانِ عامِّيتان إقليميتان: لهجةٌ عربية محلية مختلطة باللاتينية والكلمات الرومانسية – وكانت تُسمَّى أيضًا العربية الأندلسيَّة – وكانت تستخدم من قِبَل المسلمين بصفة أساسية، ولهجةٌ شعبية رومانسيةٌ، كانت تُستخدم من قِبَل المستعرِبين أو المواطنين النَّصارى بالأراضي الإسلاميَّة.

وبالرغم من استيلاءِ الملوك النصارى على الأراضي الَّتي كانت بين يدي حكَّام المسلمين، وانهيارِ الإمبراطورية الإسلاميَّة في شبه الجزيرة الأَيبيرية، إلا أن الكلماتِ العربيةَ أثَّرتْ على اللغة الإِسبانية المستخدَمة في مملكة قَشتالة الشَّمالية، والتي أصبحت اللَّهجةَ الغالبة في الدولة الإسبانية الموحَّدة حديثًا.

إنَّ تأثير اللغة العربية على اللغة الإسبانية في الغالب معجميٌّ؛ وهذا يعني أنه يُرى بصفة رئيسةٍ في مفردات اللغة الإسبانية أكثرَ من قواعدها أو تراكيبها النحوية، وقد قُدِّر أن هناك ما يزيد على 4000 كلمة عربية مستعارة، وأكثر من 1000 جذر لُغوي عربي، وهما معًا يشكِّلان 8% من المفردات الإسبانية.

وبسبب أنَّ الأندلس كانت في كثير من الأحوال مجتمعًا أكثرَ تقدُّمًا من الثقافات الأوربية الأخرى، فإنَّ الكلماتِ الإسبانيةَ المشتقَّة عن العربية توجد بصفةٍ أساسية في المجالات التي أدخلها العرب لشبه الجزيرة.

أحدُ الأمثلة على ذلك: القضاء، والذي اعتمد على الشريعة الإسلامية؛ فكلماتٌ مثلُ: “asesino” ،”rehén”؛ أي: (الرهينة أو المحبوس)، و”tarifa” التعريفة، كلُّها دخلت الإسبانيَّةَ من خلال العربية.

ومن المجالات المهمة الأخرى تلك التي تحتوي على كلماتٍ تتعلَّق بالإدارة والأعمال؛ فالكلمة الإسبانية “alcalde”؛ أي: العمدة، اشتُقت من الكلمة العربيَّة “القاضي”، وكلمة “alguacil” اشتقت من كلمة الوزير، ونماذج أخرى، نحو: “almacén” التي تعني وديعة أو عربون، وكلمة “almoneda” والتي تعني المزاد، وكلمة “quilate” والتي تعني القيراط.

يوجد العديد من المجالات الأخرى التي تحتوي على كلماتٍ مقترَضة من العربية: أسماء أطعمة؛ مثل: “aceite” الزيت، “arroz” الأرز، وكذلك مصطلحات علم الفلك والرياضيات؛ مثل: cenit سنتي، و”cero” الصفر، بالإضافة إلى كلماتٍ فنيَّة لمِهَنٍ مختلفة، مثل: “alfarero” فخَّاري، و”albañil” البناء، “alberca” المخزن أو المستودَع.

يوجدُ حالاتٌ قليلة لتأثير العربية على اللغة الإسبانية غيرُ متعلِّقة بالمفردات، وأكثر هذه التعبيرات شهرة: “ojalá” التي اشتُّقت من الجملة العربية: “إن شاء الله”، والكلمة لا تزال تستخدَمُ كثيرًا عبر إسبانيا وأمريكا اللاتينية.

وكذلك التأثير الآخر الحرف: “í” في نهاية كلماتٍ معيَّنة للدلالة على أن شخصًا ما من مكان ما؛ فالصفة “Andalusí” على سبيل المثال تستخدم للدَّلالة على أن شخصًا ما من الأندلس، و”Marbellí” للدَّلالة على أن شخصًا ما من “ماربيلا”، وهذا بالضبط كما أنَّ في العربية كلمة “Saudi” سعودي تعني منتسب لدولة السعودية.

إنَّ تأثير الإمبراطورية الإسلامية تضمن ما يتعدى اللغة؛ فعلماء مهمُّون نحو: “ابن طفيل” و”ابن باجه” و”ابن رشد” – والأخيران يُعرفان في الغرب باسم: Avempace “، “Averroes” على التوالي – قد وضعوا وطوَّروا الفيزياء، وعلم السياسية، والفلسفة، والقضاء، والطب، والفنّ المعماريّ، وعلم النفس، والموسيقا، والشعر، والأدب.

إن بقايا تأثير أيبيريا الإسلامية “أيبيريا المورو” لا تزال مشاهدةً اليوم، ليس فقط في الأندلس؛ ولكن في سائرِ الدولة، والأكثر شهرة غالبًا Giralda المئذنةُ التي تحوَّلت إلى برج كنيسة في إشبيلية Sevilla، والمسجد الكبير بقرطبة، وبالطبع قصر الحمراء بغرناطة.

————

[1] اللُّغات الرُّومانسية هي اللُّغات التي أصلها اللغة اللاتينية، وتعد أحدَ فروع اللغات الهندوأوروبية، أغلبيتها في جنوب أوروبا، وأهمها هي: الإيطالية والفَرنسية والإسبانية والبُرتغالية والرُّومانية والكتلانية؛ نقلاً عن وِيكِيبيديا.

[2] اللغة الكلتية أحد فروع العائلة الأوربية الهندية اللغوية، ويتحدثها سكان شمال غرب أوربا، وتُطلق على البريطانية القديمة.

لقراءة النص الأصلي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى