آراءبحوث ودراسات

الهيثم زعفان يكتب: اقتسام الأموال مع الله سبحانه وتعالى

Latest posts by الهيثم زعفان (see all)

هذه رسالةٌ إلى كل صاحب مال من المسلمين، تحمل عنوان: «اقتسام الأموال مع الله»، تلك الفضيلةٌ الشريفة التي عرف قدرَها صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن تَبِعهم، فسارعوا إلى تفعيلها في مجتمعهم. وعجبًا أن تجد من الصحابة من يقتسم ماله مع الله –تعالى- في حياته مرةً واثنتين وثلاثة.

وعجبًا أيضًا أن نجد من لا ينتسبون إلى الإسلام من مليارديرات الغرب يقتسمون أموالهم من باب فعل الخيرات أحياناً، ومن أجل الكنيسة في أحيانٍ كثيرة، في وقتٍ تكاد أن تخلو الساحة الإسلامية فيه من تلك الفضيلة إلا من النذر اليسير ممن عرفوا قدر الخير وعظمة الصدقة والإنفاق في سبيل الله.

 وسألقي الضوء إجمالاً على هذه الفضيلة قديمًا وحديثًا، مستصحباً التأكيد على  فريضة الزكاة بشتى أنواعها، وأنها كفيلةٌ بوضع البلدان المسلمة في مصافِّ الدول المتقدمة اقتصاديًا وعلميًا وتقنيًا.

وخصلة اقتسام الأموال مع الله ليست مقتصرةٌ على الأثرياء فقط؛ لكنها في الحقيقة يمكن تطبيقها على كل صاحب مالٍ مهما كان حجمه صغيرًا أو كبيرًا. وذلك بأن يحسب من فترةٍ إلى أخرى ما لديه من مالٍ مُدَّخَر؛ فيقتسمه مع الله، وينفقه في أوجه الخير المتعددة، ليجد في ذلك الخيرَ الكثير  بفضل الله –تعالى-.

وهناك مخاطر قد تواجه الأموال العربية المكتنَزة في البنوك الغربية والأمريكية؛ فأيهما أولى: «اقتسام الأموال مع الله»، أم اقتسامها مع مَن يتحينون الفرصةَ لتجميدها ومصادرتها كاملةً!.

وفي ضوء ذلك هناك عدد المليونيرات في المنطقة العربية بلغ  395 ألف مليونير، عدد غير قليل منهم داخل دائرة المليار دولار.

وحجم الأموال العربية المغتربة في بنوك وشركات الدول الغربية تجاوز -قبل ما عُرف بالأزمة المالية العالمية- أكثر من أربعة آلاف مليار دولار!؛ إضافة إلى الأرباح المُركَّبة لتلك المبالغ وما اُستحدث من تحويلاتٍ مالية عربية إلى الغرب خلال الأعوام التي تلت تلك التقديرات.

تلك الأموال قد مُنيت بخسائر فادحة قدَّرتْها الهيئات الدولية وخبراء الاقتصاد بأكثر من 40% من قيمتها، جراء الأزمات المالية المتوالية، وكأن الأموال قد تم اقتسامها مع «الشيطان» رغم أن الفرصة كانت سانحةً لاقتسامها مع الله.

ولدي العديد من التساؤلات لأثرياء المسلمين؛ ومن هذه التساؤلات:

1) ماذا لو دخلت دول العالم في حربٍ عالمية، وانشغلت أوروبا وأمريكا بهذه الحرب الكبرى التي ستستنزف مواردها؛ هل يضمن أثرياء المسلمين أن يحصلوا على أموالهم المودَعة لدى أوروبا وأمريكا حينها؟

وما الذي يضمن للأثرياء المسلمين ألا تستخدم أوروبا وأمريكا تلك الأموال في تجييش الجيوش وتغطية نفقات الحرب وتبعاتها؟!

ومن ثَمَّ تضيع أموال المسلمين هباءً منثورًا.

2) ماذا لو سخط الله على أمريكا -والتي بها كميةٌ ضخمة من أموال المسلمين المغتربة- ودَمَّر بِنيتها الأساسية بزلزالٍ أو بركانٍ أتى على معظم الأخضر واليابس في تلك الدولة؟!

هل سيستطيع أثرياء المسلمين حينها استعادة أموالهم الموجودة في أمريكا؟.

وماذا لو حدث الزلزال أو البركان أو أية مصيبةٍ أخرى في أوروبا؛ هل سيستطيع أثرياء المسلمين حينها استعادة أموالهم المُتخَمة بها البنوك الأوروبية، أو المستثمرة على أراضيها؟.

3) أمريكا مرَّت مؤخرًا بأزمةٍ مالية عنيفة، وكل محللٍ ومراقِب يعلم جيدًا أن أموال المسلمين في أمريكا قد تضررت جراء هذه الأزمة القاصمة، وقد اتخذت أمريكا بعض الإجراءات التي تؤجل سقوطها المالي المدوي قليلاً، فموضوع الانكسار والسقوط المالي يُعَد مسألة وقتٍ لا أكثر.

وهنا أتساءل: لو تكررت الأزمة المالية في أمريكا أو في أوروبا وكانت أكثر دويًّا؛ هل يضمن أثرياء المسلمين حينها استعادة أموالهم من هذه الدول الغربية بعد هذه الأزمة؟ وإن كانت الضمانة غير متوفرة واقعيًّا؛ فلماذا الإبقاء على هذه الأموال في أوروبا وأمريكا، وعدم سحبها في أقرب فرصةٍ ورعايتها تحت عين وبصر الثري المسلم؟

4) هناك تدابير دولية سَنَّها الغرب بطريقةٍ مُريبة وعنيفة في السنوات الأخيرة، وواضح تربصها بأموال الأثرياء المسلمين، فلِمَ المخاطرة والاطمئنان للتدابير الغربية التي يمكن أن تُصادِر أموال المسلمين المودعة والمستثمرة لديه، جبرًا وبطريقةٍ يراها الغرب قانونية؟.

هناك بعداً  مَعنوياً هاماً  في إدارة الأعمال يغيب عن أثرياء المسلمين الذين يُفضِّلون وضعَ أموالهم في يد الغرب، وهو البعد الإنساني والنفسي في العمل؛ فأموال المسلمين عندما تُترَك للغرب فإنها تفتح آلاف البيوت الغربية، ويعمل من خلالها ملايين العمال الغربيين، وكل هؤلاء يتمتعون ويأكلون من خير المسلم، وقد لا يعلمون أنها أمواله ولا يعنيهم هذا الأمر أساسًا. لكن على الجانب الآخر وحين يستثمر الثري المسلم أمواله في ديار المسلمين، وتكون سببًا في قيام آلاف البيوت وتشغيل الملايين من المسلمين؛ فإنه سيحظى بعناصر من قبيل (إدخال السرور، وحِفْظ الجميل وردِّه، والمحبة والدعوات بالخير والبركات والرحمات…. وغيرها)، وكلها أمورٌ معنوية مهمة يحتاجها الثري المسلم في أوقات أزماته في حياته وبعد مماته. بينما إصرار الثري المسلم على ترك أمواله في الغرب يحرمه من هذه الحوافز المعنوية، بل وقد تنقلب الحوافز إلى أحقاد، وكراهية وسخط من الطرفين في الشرق والغرب، فلماذا لا يحرص أثرياء المسلمين على اقتناص هذا الحافز المعنوي الذي لن يجده إلا في ديار المسلمين؟.

هناك عبئاً شرعياً  يقع على عاتق أثرياء المسلمين الذين تركوا أموالهم تُستثمَر في أوروبا وأمريكا تحت إشراف الأمريكان والأوروبيين؛ وهو أنه لا سلطان لصاحب المال المسلم على منع الغرب من استثمار أمواله في مصانع الخمور، والإعلام الانحلالي، ومصانع لحوم الخنازير، وبيوت الدعارة، وصالات القمار، وصناعة الأسلحة -التي تُدمِّر الإنسانية وقد يُقتَل بها المسلمون-، والاستثمارات الربوية، وغير ذلك من الاستثمارات غير الشرعية. وعليه فإن الثري المسلم قد يتحمل أوزار فسادٍ يستشري في كل مكان وقد يمتد إلى نسله في الدنيا، كما أنها أوزار تُثقِل ميزان حسابه يوم القيامة بطريقةٍ نسأل الله العافية منها، ومن المُحزِن أن يُعذَّب بها مسلمٌ وُلِد لأبوين مُوَحِدين.

وفي الطرف الآخر:

لو استثمر ذلك الثري المسلم هذه الأموال في بلاد المسلمين حيث موطنها الشرعي، وفي مصارف تُرضي رب العباد وملك الملوك؛ لَوَجَد النفع، ولَنَفع البشرية، ولَضيَّق فُرص انتشار الفساد بسبب انسحاب المال من الاستثمار الفاسد إلى الاستثمار النافع. فلماذا يترك الثري المسلم نفسَه أسيرًا لهذه الإشكالية الشرعية الجالبة لمفاسدَ مهلكةٍ هو في غِنًى عنها؟

وفي الختام،

أرى أنه لابد من إطلاق مبادرة لإنشاء “الصندوق العالمي لاقتسام أموال المسلمين مع الله”؛ تكون مهمته نشر هذه الثقافة في نفوس المسلمين، وإجراء التنسيقات المباشرة مع كل صاحب مالٍ لإقناعه باقتسام أمواله مع الله، والسعي لتنظيمها وتنظيم عوائدها وسُبل إنفاقها بطريقةٍ مؤسسية، على أن يكون لهذه المؤسسة فروعٌ في كافة الدول الإسلامية، وإدارةٌ شرعية وفنية صارمة وأمينة، وخريطة خيرية لكافة احتياجات العالم الإسلامي، لتقوم المؤسسة بلعب دور الوسيط بين مُقتسِم المال ومستحقِّه وفق ضوابطَ شرعية، وأسسٍ علمية وتنموية ترضي العباد، ومِن قَبلهم رب العباد -سبحانه وتعالى-.

————

المقال عرض لكتاب بعنوان: «اقتسام الأموال مع الله»، للباحث الهيثم زعفان – رئيس مركز الاستقامة للدراسات الإستراتيجية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى