آراءمقالات

النخبة والنقاشات الفكرية

محمد إلهامي
Latest posts by محمد إلهامي (see all)

أنا مَدِينٌ للمنتديات ثم لمواقع التواصل الاجتماعي في إيصالي سريعا إلى حقيقة تقول: إن النقاشات الفكرية والنخبوية هي مجرد «هَلْك، هَرْي، هَبْد» لا فائدة فيه!

وتلك اللذة التي يجدها المفكر (ومن يظنّ نفسه مفكرا) في أروقة النقاشات العلمية، مهما عظمت، إنما هي حالة ذاتية جدا، ضئيلة جدا، خاصة جدا، ضيقة التأثير في الحياة وفي الواقع جدا جدا جدا!

المهتمون بالعمل على إصلاح الواقع

من كان مهتمًّا بالعمل بإصلاح الواقع، فإن الحوارات الفكرية النخبوية ستكون آخر ما يأبه له ويهتمّ به، إنها في حقيقة الأمر نوعٌ من التعويق والعرقلة والتعطيل، مع أنها شهيّة لذيذة برّاقة، كامرأة حسناء أو كوجبة يسيل لها اللعاب!

لَكَمْ يكون المرء تحت سطوة إغراء مناقشة فلان وعلان، وفهم المنهج التفسيري لفلان وعلان، وإدراك الخيط الناظم في مشروع فلان وعلان… إلخ! والنقاشات لا تنتهي، بل يلد بعضها بعضا، ويتكاثر بعضها تكاثرا ذاتيا أيضا، وفي النهاية: هذا كله في واد، والناس والدنيا والمجتمع في وادٍ آخر!

لَكَم وجدتني مدفوعا لمتابعة أحدهم أو الرد عليه، ثم أنظر: ماذا سيحدث لو فعلتُ، فلا أجد إلا أنني سأزيد تلك النقاشات الحمقاء نقاشا جديدا أو أزمة جديدة، مع توسيع مساحة ما تشغله في أذهان مَنْ يظنون أنفسهم مفكرين أو مفكرين مستقبليين!

المنتديات ومواقع التواصل

لولا المنتديات، ثم مواقع التواصل، كنتُ سأصل حتما إلى هذه القناعة ولكن لا أدري بعد كم من السنين، فحتى مشاهير الفلاسفة لم تنته حياتهم إلى يقين بل إلى شك! ما زالوا لا يعرفون الطريق بيقين! وكثيرٌ إذا سُئل: هل إذا استمعوا لك تستطيع تغيير الحياة إلى الأفضل؟ يجيب بلا أو بلا أدري.

ما أتاحته المنتديات ومواقع التواصل من مساحات هائلة للنقاش، قَصَّر علينا الزمن، كأنه كان عامل تحفيز للمعادلة، سَرَّع حصول النتائج.. حتى صرنا نرى بوضوح أنه كلما ازددت عمقا فكريا كلما كنت منفصلا عن معركة إصلاح الواقع.

وبالمناسبة، فهذا ينطبق بدرجة ما على النقاشات الفقهية السجالية أيضا، فكلما تعمَّق القوم فيما لا يفيد كلما انفصلوا عما هو مفيد، ولهذا كان السلف يتخوفون من ذلك الترف الفكري الذي أطلقوا على أصحافه وصف “الأرأيتيين”، أولئك الذين يسألون: أرأيتَ لو حصل كذا ماذا يكون حكمه؟.. فكان السلف الصالح يرفضون هذا النهج، ويقول قائلهم: إذا وقعت تجشمناها لكم.

ولكن، مع فارق مهم وجوهري فيما يخص النقاشات الفقهية، ذلك هو أن منطقة الثوابت والإجماعات في الدين تحصر أهل الترف في أمور فرعية، وتجعل الخلاف العام بين المخلصين العاملين في إصلاح الواقع قليلا أو مؤجلا أو مؤخرا في الأولوية. بينما النقاشات الفكرية خارج مساحة الدين ليست فيها مساحة إجماع ولا ثوابت.. إنها أفكار متنافرة في كل شيء ومتخالفة في كل كبيرة وصغيرة.. فالحوار فيها مُهْلِكٌ!

الأفكار التي انتصرت وسادت

والأفكار التي انتصرت وسادت، لم تكن كذلك لأنها أفكار متينة قوية بالضرورة، بل هي إنما انتصرت وسادت لأنه قد اعتنقها من أجاد معركة العمل فبه انتصرت وبمجهوده العملي سادت وذاعت!

لكن أهل الأفكار هم من يمسكون بالقلم ويسجلون التجربة ويخطبون في الناس، فلذلك يُعَظِّمون من شأن الفكر والمفكرين حين يستعرضون تجارب الانتصار والمنتصرين.

لذلك كله، لا بد من تكرار القول دائما، بأن من المزايا العظمى في حركة العلم في حضارتنا الإسلامية أنه مربوط بالعمل.. ولا بد لكل من تتشوف نفسه للذة العلم والفكر والحوار أن يكون أمامه دائما كتاب ككتاب البغدادي “اقتضاء العلم العمل”، كي لا تجنح به لذة العلم وشهوة الفكر فيستغرق فيها فينفصل عن العمل.

التلاوة الدائمة للقرآن الكريم

وقبل ذلك وبعده، إن الحرص على التلاوة الدائمة للقرآن الكريم، تعصم المرء من هذا الإيغال فيما لا يفيد، فالقرآن كتاب عمل وحركة، وطريقته في التعليم والتربية والتوجيه طريقة الانصراف عما لا يفيد والاكتفاء بما يفيد، فمهما اشتدت غريزة الفضول لدى المرء لكي يعرف -مثلا- كم عدد أصحاب الكهف، أو كم قضوا في فترة نومهم، أو من هو ذو القرنين أو … أو … أو … إلخ! فإنه يصطدم بانصراف القرآن عن هذا كله والتركيز على العبرة والعظة والمعنى الذي يقوم عليه العمل.

واعلم أنك إذا كنتَ داعيةً تعلم الناس أمر دينهم، لا تعرف رطانة المفكرين والمثقفين ولا تحسنها، فإنك أحسن أثرا في الناس وفي الواقع من جملة هؤلاء.. فالصوت القادر على تحريك الناس أعظم أثرا وأطيب نفعا من الصوت الذي منتهاه أن يداعب عقول النخبويين!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى