الأمة الثقافية

المُمكن والمُحال في ترجمة القرآن الكريم

د. محمود حيدر

تسعى هذه المقالة إلى تحرِّي المُشكلات المعرفيّة والمنهجيّة المُترتّبة عن ترجمة القرآن الكريم ونَقْلِه من العربيّة إلى اللّغات الأخرى. ولقد انطلقنا في هذا المسعى من فَرَضيّة انطواء ترجمة النّص المُقدَّس على معاثر جوهريّة، في مقدّمها ظهور الكلمات والألفاظ المُترجَمة على نحوٍ يُغايِر مَقاصِد الآيات؛ الأمر الذي غالباً ما يؤدّي إلى نشوء حقلٍ آخر من الفهْمِ يُفارِق ما أنشأته علوم التفسير والتأويل التي زخرت بها المَكتبةُ العربيّة والإسلاميّة قديماً وحديثاً.

مقتضى تأصيل المهمّة الترجميّة كما جرى بسْطُها في التنظير التراثي العربي والإسلامي، التمييز بين الترجمة لغةً واصطلاحاً، وبين نقل النصّ كما ورد عند النّحات. فالترجمة تُعادِل تفسير الكلام بلغته التي جاء فيها. ولأجل ذلك قيل في ابن عبّاس: “إنّه ترجمان القرآن”، أي مفسِّره. والزمخشري في كِتابه “أساس البلاغة” قَصَدَ هذا المعنى لمَّا قال: “كلّ ما تُرجم عن حالِ شيء، فهو تفسرتُه”؛ والترجمان هو المفسّر للكلام. وفي تفسير ابن كثير أنّ كلمة ترجمة تُستعمل في لغة العرب بمعنى التبيين مطلقاً. أمّا معنى النقل، فهو العبور من معنى كلامٍ في لغةٍ ما، إلى كلامٍ آخر من لغةٍ أخرى، مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده…، وفي السياق يورِدُ أهل الاختصاص وجهتَيْن للمهمّة الترجميّة: حرفيّة وتفسيريّة.

الوجهة الحَرفيّة: هي التي تُراعى فيها مُحاكاة الأصل في نظمه وتركيبه، فهي تشبه وضع المُرادِف مكان مرادفه. ويذهب البعض إلى تسمية هذه الترجمة باللّفظيّة وبعضهم إلى تسميتها بالترجمة المُساوِية.

أمّا الوجهةُ التفسيريّة: فهي التي لا تُراعَى فيها تلك المُحاكاة، أي مُحاكاة الأصل في نظمه وترتيبه؛ غير أنّ وجه الامتياز فيها هو حُسن تصوير المعاني والأغراض كاملةً، ولهذا تُسمّى أيضاً بالترجمة المعنويّة. كذلك سمّيت تفسيريّة، لأنّها بحسب تصوير المعاني والأغراض فيها، صارت مثل التفسير، وما هي بتفسير. وهنا لا بدّ من الإشارة استطراداً إلى أنّ ما يُسمّى “خفاء المعنى” يُعَدُّ من الإشكاليّات المحوريّة في حقل الترجمة. فحقيقة المعنى ليست وقفاً على لغة واحدة تنقل عقلاً واحداً وتجمع بين أفرادِ مُجتمعٍ واحد، بل هي صارت ملكاً تتشاركه لغات متباينة، تحمل مَدارك متفاوتة وتتكلّمها مجتمعاتٌ مُتباعدة. وعليه، فحيثما تقرّرت المُباينة، تعثَّرت الإبانة؛ فاللّسان الذي يختلف عن غيره من الألسنة من وجوهٍ مخصوصة، يُخفي عليها من هذه الوجوه، فيكون الاختلاف اللّغوي بذلك سبباً في الخفاء المعنوي.

في ما يتّصل بموضوعنا حول ترجمة النصّ القدسيّ، نعود لنطرح السؤالَ البَدئيَّ بصيغةٍ أخرى: هل يُمكن فهم مَقاصد القرآن بغير لسان العرب، وما حدود فَهْم المُترجَمَ إليهم من حصاد نقل الآيات إلى غير العربيّة؟

الاستفهام هنا لا يتوقّف عند السؤال المركَّب الذي مرَّ ذكره. فلكي تتحصّل الإجابة الوافية، يستأنف فقهاء التفسير استفهاماتهم ليتبيَّنوا الإجابةَ عن ثلاثة أسئلة مُوازية:

الأوّل: هل بالإمكان ترجمة القرآن؟

الثاني: إذا كانت ترجمة القرآن مُمكِنة، فهل يُمكن النَّظر إلى هذه الترجمة بوصفها قرآناً؟

الثالث: هل يترتّب عن نصّ ترجمة القرآن الأحكامُ نفسها المُترتّبة عن القرآن نفسه بوصفه وحياً إلهيّاً منزَّلاً باللّغة العربيّة؟

لدى نقل القرآن من العربيّة إلى اللّغات الأخرى، ترانا بإزاء مهمّة مُركَّبة:

أ‌- تأويل ضمن حقل النقل والترجمة،

ب‌- تأويل في مَقام فهْمِ الآيات والتعرُّف إلى مَراتبها وبطونها.

ومن المهمّ التنبيه إلى أنّ بين هذَيْن الحقلَيْن من التأويل لقاءً ومُفارَقة في الآن عَينه. فهُما يلتقيان من جهة على تظهير النصّ الإلهي قصد إفهامه للمُخاطَب، بينما يفترقان، من جهة ثانية، في تقنيّات التظهير ومَدارج الإفهام.

أمّا بخصوص جواز أو بطلان نقْل القرآن من العربيّة إلى اللّغات الأخرى، فتلك قضيّة متّصلة بما مرَّ معنا من مشكلات. من العلماء ثمّة مَن رأى أنّ “للقرآن الكريم نواحٍ ثلاثاً تجمَّعْنَ فيه، وبذلك أصبح كِتاباً سماويّاً ذا قداسة فائقة، ومُمتازاً على سائر الكُتب النازلة من السماء”.

الأولى: أنّه كلامٌ إلهيّ ذو قدسيّة ملكوتيّة، يُتعبَّد بقراءته، ويُتبرّك بتلاوته.

الثانية: أنّه هدىً للناس، يهدي إلى الحقّ وإلى صراطٍ مُستقيم.

الثالثة: أنّه معجزة خالدة، يدلّ عليها صدق الرسالة الخاتمة وديمومتها عبر الأزمنة المُتعاقِبة.

مع هذه النواحي يرى العُلماء من حواضر العالَم الإسلامي، أنّه لن يكون بإمكان الترجمة – من أيّ لغةٍ كانت – الإيفاء بمعانيها وغاياتها.. على أنّ ما يُعزِّز مثل هذا الحُكم، هو السؤال عمّا إذا كان من المُمكن الحفاظ على القيمة الإعجازيّة للقرآن – وخصوصاً الإعجاز البياني منه – إذا تمّت المُحافَظة على المعنى؟

هنالك ما يقرب من الإجماع لدى العُلماء المُسلمين على استحالة النقل الترجميّ لجهة الحفاظ على المعاني القرآنيّة بتلك البلاغة التي أنزلها اللّه تعالى. ذلك أنّ ترجمة القرآن، مهما كانت دقيقة وعِلميّة، فإنّها لا تمثِّل إلّا جانباً ضئيلاً من أبعاد الآيات وما تختزنه من أسرار. وترتيباً على هذه الوجهة، يتحصَّل لدينا أن لا شيء من أساليب الترجمة يُمكن اعتباره وافياً لتحقُّق الفهْم من خلال نقْل القرآن إلى اللّغات الأخرى، ولكنْ حيث لا مناصّ من القول بضرورة ترجمة القرآن إلى سائر اللّغات لاعتباراتٍ تواصليّة بين الحضارات والأديان، وكذلك لتوصيله إلى الشعوب المُسلمة غير الناطقة بالعربيّة، فإنّ أفضل أسلوب لترجمة القرآن هو الترجمة الحُرّة؛ أي شرح معنى الآيات من دون حرفيّة صدورها. ولئن كانت هذه الوجهة لا ترى استحالة ترجمة القرآن بمَعانيه، إلّا أنّ هذه الترجمة هي عمليّة معقَّدة بالنسبة إليها، وتُواجِه الكثير من العقبات التي لا يُمكن تجاوزها.

وفي كلّ حال، سوف يَجِدُ المُترجِمُ نفسَه حيال نقلِ كلماتِ الوحي إلى غير العربيّة لقاء تحدِّيَيْن مُتلازمَيْن: تحدّي النقل والتحويل، وتحدّي الفَهْم والتأويل. وذاك بلا ريب، أمرٌ مستصعب، ومهمّة شاقّة في التحدّيَيْن معاً. ولذا فلا يُحسِنُهُما على وجه الإجمال إلّا مَن كان على دراية وإلمام بثلاثة:

– عِلم بالعربيّة: اللّغة التي نزل بها القرآن الكريم.

– عِلم باللّغة المنقول إليها: أي إلى غير لسان العرب: ذاك أنّ مهمّة المُترجِم أن يُعِدَّ للنصّ المترجَمِ ما وَسِعَتْه قدرتُهُ من إحاطة بقواعد اللّغة، في نحوِها، وصرْفِها، وبناءاتِها، وتراكيبها.

– عِلم بنوع النصّ المُترجَم: ومقتضاه أن يكون المُترجِمُ فاهِماً محتوى النصّ ومَقصده. وهذا المُقتضى هو من الشروط الأوّليّة التي ينبغي على المُترجِم حيازتها. فالمُترجِم العارف بالفلسفة – على سبيل المثال – يقدر على مُقارَبة النصّ الفلسفي أكثر ممّا يقدر عليه آخرون ممَّن لا ذائقة لهم بهذا الفنّ. كذلك الأمر ما يعني الشعر أو النثر، أو النصّ الصوفي على سبيل المثال. حيث لا يفلح المُترجِم ها هنا في بلوغ تراكيبه الرمزيّة ما لم يكُن قد ألِف لغته ووقف على أسراره.

وللبيان أكثر نشير إلى ما قرّره الجاحظ في “كتاب الحيوان” [ج1. ص 75-76] حيث ذَكَرَ طائفةً من المَنازل تدور حول ترجمة الآيات:

أوّلاً: الترجمة – بحسب ما سيذهب الجاحظ – هي نوعُ وكالةٍ، ويكون الوكيل فيها نازلاً منزل موكِّله، وعليه أن يسعى في استيفاء حقوقه. بَيْدَ هذه الوكالة تنطوي على مَسارٍ معقَّد وصعب المنال؛ إذ لا يستطيع المُترجِم الوقوف على مُجمل العناصر التي يتوفَّر عليها النصّ المُترجَم. وفي ذلك قال الجاحظ: “إنّ التَّرجُمان لا يؤدِّي أبداً ما قال الحكيمُ، على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخفيَّات حدوده، ولا يقدر أن يوفّيها حقوقها، ويؤدِّي الأمانة فيها، ويقوم بما يلزم الوكيل، ويجب على الجَرِيّ. وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها؟”.

ثانياً: إنّ من بين قواعد الترجمة الجيّدة أن يكون المُترجِم متمكِّناً من كلا اللّغتَيْن – المنقول منها والمنقول إليها – على مستوى التخصُّص، وأن يعلم التفاصيل والفروق الدقيقة في كلا اللّغتَيْن. بَيْدَ أنّ تحقيق ذلك صعبٌ للغاية؛ لأنّ كلّ لغة تستدعي أن يستنفد الشخص كامل قواه المَعرفيّة، حتّى لا يبقى لديه أيّ فائض لتوظيفه في اللّغة الأخرى؛ ومن هنا كان وزان المُترجِم وزان الذي يحمل بطّيختَيْن بيدٍ واحدة، ولن تكون نتيجة جهده سوى إسقاط كلا البطّيختَيْن. يقول الجاحظ: “وإنَّما له قوّةٌ واحدة، فإنْ تكلَّم بلغةٍ واحدة استُفْرِغَتْ تلك القوّة عليهما”.

ثالثاً: إنّ ترجمة الكُتب والنصوص الدينيّة والوحيانيّة أصعب بكثيرٍ من ترجمة النصوص العِلميّة. ويُمكن القول: إنّ العقبات والموانع الماثلة في طريق المُترجِم عند ترجمته النصوص الدينيّة يستحيل تجاوزها؛ إذ في هذا النَّوع من الترجمة يكون الكلام حول مفاهيم ما ورائيّة تتعلَّق بالشأن الإلهي والصفات الإلهيّة وما إلى ذلك. كما أنّ الأسلوب البياني للنصوص الدينيّة الوحيانيّة يحمل من الخصائص التي تُعرقِل عملَ حتّى المُترجِم الحاذق، فما ظنُّك بالمُترجِم الذي لا يمتلك الصلاحيّة اللّازمة؟! وفي ذلك يقول الجاحظ: “هذا قولُنا في كُتب الهندسة، والتنجيم، والحساب، واللّحون، فكيف لو كانت هذه الكُتب كُتب دينٍ وإخبار عن الله عزَّ وجلَّ؟”.

القرآن العربيّ ومُفارَقةُ الترجمة

بوصفه لغةَ الوحي، ينطوي لِسان العرب على خاصِّية مُفارقة، في مَقام كونه كلاماً وحيانيّاً. ولذا من غير الجائز التعامل مع العربيّة في مثل هذا المقام بالذّات كلغة مثل سائر اللّغات. فلقد نزل القرآن الكريم لفظاً ومعنىً باللّسان العربي. وهناك من الآيات ما يُبيَّن ذلك، منها: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}[يوسف-2]. {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ علَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين}[الشعراء- 193-194-195]{وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}[الشورى – 7].

فالقرآن الكريم أُنزل باللّسان العربي. وكان نزوله أعظم تحوّلٍ تاريخيّ في اللّغة العربيّة وآدابها ومُعجزاتها الكبرى في كلّ موضوع من الموضوعات التي حفل بها. كذلك كان نزولُه بدايةً لانطلاقةِ اللّغة العربيّة انطلاقةً كبرى من إطارها المحدود في الجزيرة العربيّة إلى كَونها لغةً عالَميّة؛ فالقرآن للناس كافّة، وخطابه للعالَمين. وعلى هذا التخصيص، شغلَ موضوعُ نقلِ القرآن إلى اللّغات الأجنبيّة حيّزاً وازناً من تفكير الهيئات الدينيّة الإسلاميّة كما عالجه رجال الفقه والكلام واللّغة منذ أقدم العصور. وفيما كانت المُناقشات والمُطارحات حول هذا الموضوع تحتدم حيناً، وتفتر أحياناً، كان مَن لا ينطقون العربيّة قد تعلّموا هذه اللّغة ونقلوا القرآن إلى لغاتهم أو نقلوه إلى لغاتهم عن ترجماتٍ أخرى من دون الرجوع إلى أصله العربي.

ما الذي يقوله فقهاءُ التفسير وعُلماء المَجامِع اللّغويّة بصدد إمكان الترجمة أو استحالتها؟

يُستَدَلُّ من مَواقف جمعٍ وازنٍ من عُلماء المُسلمين أنّهم لم يجيزوا ترجمة القرآن. فقد اتّفقوا على استحالة الترجمة لجهة تظهير مَقاصده ومَعانيه التي اشتمل عليها. إلى ذلك لا يتوقّف الأمرُ عند الترجمة والنقل، وإنّما يشتمل عدم الجواز على القراءة والتلاوة أيضاً.

وحول حُكم قراءة القرآن بالعجميّة، أي بغَير لغة العرب، أَفاضَ الزركشي في مُعالَجة مسألة قراءة القرآن مُترجَماً فقال: “لا تجوز قراءته بالعجميّة، سواءً أحسن العربيّة أم لا، في الصلاة وخارجها”. واستقرّ الإجماعُ على أنّه تَجِبُ قراءته على هَيئته التي يتعلّق بها الإعجازُ لنقص الترجمة عنه، وكذلك لنقص غيره من الألسن عن البيان الذي اختصّ به دون سائر الألسنة. وإذا لم تجزِ قراءته بالتفسير، لكان التحدّي بنظمه، فأحرى ألّا تجوز الترجمة بلسان غيره”.

ولمّا كان القرآن الكريم متعبّداً بلفظه إجماعاً، فلا مجال لأن تؤدّي التراجم المقصود الحقيقي لكلام الله، ولذلك قال الإمام الغزالي (الوجيز/26-27): “لا تقوم ترجمة الفاتحة مقامها، ولا تجزي الترجمة العاجز عن العربيّة. ولو أمكن لأيٍّ من البشر ترجمة القرآن ترجمةً حَرفيّة، لخرج القرآن عن كونه معجزاً، وكان في إمكان البشر أن يأتي بمثله”.

في غمرة هذه المباحث والمُطارَحات التي بدأت منذ العصر الإسلامي الأوّل، ولا تزال مُستمرّة، وخصوصاً حيال ما نشهد من تقدّم العلوم والمَعارف وسهولة الترجمات، ناهيك باستخدام الكومبيوتر لهذه الغاية، فقد عالجت مشيخة الأزهر هذه الإشكاليّة منذ العام 1929؛ ثمّ توصّلت إلى أنّ الغاية من ترجمة معاني القرآن هي تبسيط هذه المعاني وتفسيرها بدقّة وترجمتها، باعتبار أنّ القرآن لفظٌ عربيٌّ مُعجز وله معنى. أمّا نظمه العربي، فلا سبيل إلى نقل خصائصه، لأنّ هذا مستحيل استحالة قطعيّة. أمّا الخلاصة التي آلت إليها آراء هؤلاء المُعاصرين حول هذه المسألة بالذات، فهي “أنّ ترجمة القرآن الكريم ترجمة تامّة تؤدّي من المعاني والتأثير ما تؤدّيه عبارته العربيّة، إنّما هي ضرب من المحال”. والحجّة في مشروعيّة هذا التقرير قائمة على أربعة مرتكزات:

  • أنّ القرآن الكريم معجز لا يُمكن ترجمته.
  • أنّ ترجمة القرآن بحرفيّته غير ميسورة.
  • أنّ الترجمة تُفقِد القرآنَ روعةَ النظم العربي والطلاوة واللذّة والتأثير في النفوس.
  • أنّ في الترجمة ما يؤوّل بعضَ الألفاظ.

لعلّ ما ينتهي إليه الجمع الأعظم من العُلماء المُسلمين حيال ترجمة القرآن هو أنّ الحقيقة المُتعالية حلّت في العبارات والحروف. وأنّ العبارة والحرف واللّفظ هي الحقيقة نفسها، لا صورةٌ عنها. بل هي ليست شكلاً لمحتوى، أو إلباساً لفظيّاً لمَقاصد الوحي. فالحرف حقيقة ومعنى، لا مجرّد لفظٍ عارِض على المعنى. وإذن فاللّفظ عَين التعبُّد، به يتّصل العابد بالمعبود على حقيقة العبادة؛ لذلك كانت الصلاة وقفاً على لغة القرآن. وعلى هذه النشأة يصير مآلُ الترجمة مَعرفةً بالنصّ من الدرجة الثانية، أي أنّها نقلٌ لسطوح الأحرف، وليست تظهيراً لمقصد القائل ذاته.

———

د. محمود حيدر (مفكّر وباحث في الفلسفة من لبنان)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى