الأمة الثقافية

المنهج الرياضي في الدرس اللغوي العربي القديم

جواد عامر

إن المتأمل للدرس اللغوي العربي القديم، سيجد أن علماءنا الأفذاذ قد نهجوا مسلكا قائما على الفهم العميق المدرك، لخصائص المنهج العلمي الدقيق في تمثل الدرس اللغوي مستلهمين سمات كل فرع، ومعبرين عن وعيهم بآليات اشتغاله التي تمتاز فيها الأدوات والمنطلقات بين هذا وذاك، فعرفوا أن البدء في الممارسة اللغوية يحتم عليهم الانطلاق من الثابت قبل المتحول وليس العكس، فبدأ الدرس النحوي يشق طريقه قبل الدرس الصرفي الذي يتسم بدرجات من التعقيد والعسر قال ابن جني في كتاب الخصائص: ” ولما كان علم الصرف عويصا صعبا بدئ قبله بمعرفة النحو لأن معرفة أحوال الكلم الثابتة طريق إلى معرفة أحواله المتنقلة “، إنه وعي دقيق ينم عن إدراك المنهج القويم الذي يؤدي فيه التدرج القائم على الانتقال من البسيط إلى المعقد عبر دراسة البنيات الثابتة مجسدة في التركيب والعلائق الناجمة عن التجاور، في اتجاه المتغيرات التي تعتري الكلم في بنياته العميقة حيث تتعدد الأسباب وتتداخل فيها بين ما هو صرفي وهيكلي خالص كبنيات المجهول وفونيتيكي محض كالإبدال والإعلال مثلا، الأمر الذي يمنح الدرس الصرفي درجات من الصعوبة فعلا المفقدة للمتعة عند غالبية الطلاب، ولعل هذا ما جعل الأعرابي في مجلس الأصمعي ينصرف بعدما كان معجبًا بالدرس النحوي، حتى شرع الشيخ في تدريس تلاميذه علم الصرف طالبًا منهم أن يُصَرِّفوا الفعل أزَّ يئِزُّ إزّْ وبيان ما يعتريه من متغيرات فينشد الأعرابي بيتين يلخصان معنى غياب المتعة التي قصدنا إليها حينما قال[1]:

قد كانَ أخْذُهُمْ في النَّحْو يُعْجِبُنِي
حتَّى أتَوا بكَلامِ الزَّنْجِ والرُّومِ
بمَفْعِلٍ فَعِلٍ لا طابَ مِنْ كلِمٍ
كأنَّهُ زَجَلُ الغِربَانِ والبومِ

إنه تعبير صريح من الأعرابي عن رؤية نقدية انطباعية ولَّدَها التلقي الذي غاب فيه المثير الذي كان حاضرًا مع درس النحو، فحمل الدرس الصرفي على محمل الغرابة والغموض الذي أفقده الإحساس بحلاوة التعلم لينصرف عن المجلس،.. والناظر إلى طريقة التعليم لدى الأصمعي سيحكم حتمًا على أن علماء اللغة كانوا على دراية تامة بما كان يحتاجه الطالب على المستوى البيداغوجي من حيث انبناء المعرفة التي لا يمكن البتة أن يُبْتَدَأَ فيها بالمتحول في اتجاه الثابت، وهو منهج نستقرؤه في درس الأصمعي وغيره من علماء اللغة الذين أدركوا أن البدء بالدرس النحوي هو المنهج القويم في أدبيات تعلم الدرس اللغوي العربي، ولعل استلهامهم لهذا المنهج كان نابعًا من تمكنهم من علوم الرياضة ومن أدوات اشتغالها، ذلك أن المنطق الرياضي يسير دومًا من البساطة نحو التعقيد ومن الوضوح في اتجاه الإبهام ومن المادي صوب المجرد يحكمه في ذلك التسلسل والتدرج المنطقي، لذلك فتتبعي للدرس اللغوي منذ زمن جعلني أنظر إلى تجليات هذا الفهم الرياضي الذي وجدته قابعا في أريكة الدرس الصرفي والنحوي معا، فقد وظف علماء اللغة الكثير من أدوات اشتغال المنهج الرياضي في تناول الظواهر اللغوية كالموازنة والحكم والاستنتاج والاستقراء والاستنباط والإسقاط والبرهنة والاختزال وغيرها من مهارات العلوم الرياضية، لذا فالنظر بعمق إلى أنماط التفكير وتجلياته على مستوى الممارسة اللغوية لهاته الميكانيزمات مجتمعة سيجد حتما أن الأسلوب الرياضي قد تم توظيفه بحرفية وإتقان، وحتى يكون كلامنا قائما على الدليل العلمي سنعمد إلى الإشارة إلى بعض الظواهر اللغوية كالمشتقات من باب اسم الفاعل واسم المفعول والمبالغة والصفة المشبهة لنمنح رؤيتنا الطابع العلمي، فحديث علماء اللغة مثلا عن عمل اسم الفاعل واسم المفعول على مستوى طرق الصياغة من غير الثلاثي كان مبنيا عندهم على أساس المشترك البنيوي الذي فرض أسلوب الاختزال من حيث إثبات الميم المضمومة وكسر أو فتح ما قبل الآخر بسبب تعدد الصيغ الصرفية المشتقة من بنيات الأفعال غير الثلاثية، فتستنبط بذلك القاعدة اللغوية بناء على هذا المشترك الظاهر في الهيكل الصرفي طارحة التعدد القائم على الاختلاف ومثبتة القاسم المشترك الذي ولده الاستنباط الرياضي.

وفي نفس السياق من منظور نحوي خالص كان حديثهم عن مفهوم الإعمال لدى هاته المشتقات قائمًا على الاستدلال الرياضي، حيث بينوا أنها تعمل عمل فعلها اللازم أو المتعدي فترفع الفاعل وتنصب المفعول أو المفعولين مضطلعة بدور الفعل إعرابيًّا وهو استدلال استخدمته الرياضيات في الهندسة كثيرا أثناء البرهنة على توازي المستقيمات الثلاثة أو تعامد مستقيم على آخر يوازي غيره فإذا أسقطنا نفس الفهم الرياضي على القضية اللغوية سنجد أننا فعلا أمام استنباط رياضي صرف:

الفعل يرفع وقد ينصب (لازم متعد)

اسم الفاعل / اسم المفعول / صيغ المبالغة / الصفة المشبهة: مشتقة من الفعل

إذن المشتقات ترفع وقد تنصب حسب طبيعة الفعل الذي اشتقت منه

هو نفسه البرهان الرياضي في التوازي مثلا:

المستقيم (d) يوازي المستقيم (h)

المستقيم (h) يوازي المستقيم (f)

إذن المستقيم (d) سيوازي (f)

وإن نحن نظرنا مثلا في منهج علماء اللغة حينما تناولوا أسماء المكان والزمان وهم يجتهدون كل الاجتهاد في إيجاد العلة الصرفية لوزني مفعَل ومفعِل مع العلم أن اختلاف اللسان العربي كان معيقا لضبط التخريجات الصرفية المطلقة في هذا الباب، لكنه يظل اجتهادا نوعيا حاول حصر أغلب الكلم الدال على اسمية المكان والزمان، فحضر أسلوب الاختزال الرياضي للوصول نحو المشترك الصرفي، حيث كان التعليل نابعا من الأصل وهو الفعل ماضيه ومضارعه، فالعلة حينما تظهر في الماضي تُسْقِطُ المضارع والعكس صحيح كما يبدو في الماضي ناقصًا (مشى لها سعى) حيث يظهر القاسم المشترك ممثلا في اعتلال اللام ليَسْقُطَ المضارعُ الذي يكشف عن تغير البنية التي لا يمكن قبولها تخريجًا صرفيًّا يُسلِّم به المنطق الرياضي فاختلاف حركة العين بين كسر (يمشِي يلهُو يسعَى) محكوم عليها بالرفض المطلق مثلما حصل تماما حين إسقاط الماضي الذي لم يستطع تبرير صيغة مفعَل بالفتح من أفعال اختلفت حركات عيونها (سمِع ضجَع كرُم) وقُبِلَ المضارع لأنه يُسْقِط عبر مبدإ الاختزال كسرة العين ويُثْبِتُها لوزنِ مَفْعِل بالكسر (نزل ينزِل = منزِل ٌ).

ولعل هاته الأمثلة التي سقناها للتمثيل لا الحصر لأدلة قاطعة على استلهام الدرس اللغوي العربي للمنهج الرياضي استلهاما أحسن توظيفه في العلة النحوية والصرفية التي خضعت لاشتغال المنطق خضوع المبادئ الرياضية نفسها من قبل الرياضيين فالانطلاق من الأمثلة وصولا إلى الخاصية وفقا لمبدإ الاستنباط هو نفسه المسلك الذي احتذاه اللغويون عبر استقراء كلام العرب واستنباط القواعد المرجعية الضابطة للأحكام والتبريرات المنطقية.

ولا بأس أن نُعَرِّجَ على الدرس المعجمي وإن كنا قد حصرنا الكلام في بداية عرضنا عن الدرسين الصرفي والنحوي بدرجة كبيرة، لنستدل على قدرة المنهج الرياضي على الامتداد لهذا الدرس كذلك كما فعل مع العروض لنرى ما صنعه الخليل بن أحمد الفراهيدي وهو العارف بالرياضيات عندما ألف معجم العين وعمد فيه حين جمع مفردات اللغة إلى مهاراته الرياضية وسأتناول منهجه في هذا السياق باختصار شديد بدءا من الثنائيات التي تتشكل من حرفين ولو تكرارا أو تكَرَّرَ أحدُهما مثل قدَّ قدْقد ومقلوبها دقَّ دقْدَقَ وفي الثلاثيات تتصرف الكلمة على ستة أوجه، حيث تستخرج ست مواد معجمية من كل أصل ثلاثي، قالت الدكتورة حكمت كشلي فواز[2] (2*): عمد الخليل إلى توظيف المثلث وجعل على رأس كل ضلع منه حرفا فجمع الأول مع الثاني مع الثالث في مادة (ضرب )مثلا ثم جمعه مع الثالث والثاني (ضبر) ثم الثاني مع الثالث والأول (ربض) ثم الثاني مع الأول والثالث (رضب) ثم أخذ الثالث وضربه في الثاني والأول (برض) ثم ضربه بالأول فالثاني فتتحصل الخرج المعجمي السادس والأخير (بضر) فتتحقق بذلك الأوجه الستة.

وكذلك سيصنع الخليل مع الرباعيات حيث سيعمد إلى استعمال المربع الذي سيجعل على رؤوسه كل حرف من حروف الكلمة[3]: (3*)

فمثلا كلمة عبقر يتم ضرب حرفها الأول (العين) بالأوجه الستة التي تتكون من (ب ق ر) ثم ضرب الباء بالأوجه الستة التي تتكون من (ع ر ق) ثم نفس الشيء سيسلكه مع القاف ثم الراء ليكون مجموع ما يحصل عليه من مدخلات معجمية هو أربع وعشرون دخلا أغلبها يكون مهملا فيطرح ولايدخل المعجم، أما الكلمات الخماسية مثل سفرجل مثلا فحروفها الخمسة تضرب في وجوه الرباعي وهي أربعة وعشرون حرفا فتصير مائة وعشرين وجها أغلبه يكون من المهمل ونشير هنا إلى أن الخليل توفيقا وتحقيقا للمنهج الذي اعتمده في ترتيب معجمه على الأساس الصوتي قد عمد في مثل هاته الكلمات على البدء بالحرف الذي يراعي منهجه التراتبي الفونيتيكي فلم يبدأ بالسين في سفرجل وإن كانت الحرف الأول في الكلمة وإنما بدأ بالجيم لأنها الحرف الثامن حسب مخارج الحروف الصوتية عنده.

وهكذا نكون عبر هاته الأدلة قد بينا بما يكفي مدى قدرة الدرس اللغوي العربي القديم على تمثل المنهج الرياضي وتوظيفه بآلياته وأدوات اشتغاله توظيفا صحيحا قَدُرَ بواسطته علماء ُاللغةِ على الوصول إلى التخريجات النحوية والصرفية على قدر هائل من الإبداعية التي عبر عنها الخلاف النحوي في كثير من القضايا التي اختلفت حيالها البراهين النابعة من التأويلات المتضاربة وإن صبت أحيانا كثيرة في نفس البوتقة، وذلك أمر طبعي وصحي لاختلاف التلقي الذي منحنا أفهاما متعددة التقى بعضها وافترق بعضها الآخر ليغتني الدرس اللغوي ويتيح إمكانات التعبير المتعددة لدى المتلقي العربي.

المصدر

جواد عامر – شبكة الألوكة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى