آراءمقالات

المسافة بين القتل والنصر

Latest posts by د. محمد الفرا (see all)

 إنَّ موعودَ اللهِ جلَّ جلالُه بالنَّصرِ لعبادِه المتقينَ ثابتٌ قَطعاً، قامَ عليهِ دَليلُ النّقلِ والعَقلِ والحِسِّ؛ فلقَد كتَب اللهُ لينصُرَنَّ رسُلَهُ والّذِينَ آمنُوا، وجعلَ مِيراثَ الأرضِ لعبَادِهِ الصَّالحِينَ، ولكنَّ حُصُولَ النَّصرِ للمؤمنينَ لا يُنَافِي مَا يَقع في سبيلِ ذَلِك مِن قتلٍ أو جراحةٍ، أو نقصٍ مِن الأنفسِ والأموالِ والثَّمراتِ.

 ذَلِكَ أَن الخَلقَ كُلَّهُم يموتونَ، وليسَ فيهِم أحدٌ مخلَّدٌ في هذهِ الأرضِ، فَلَيْسَ فِي قتلِ الشُّهَدَاء مُصِيبَة زَائِدَة على مَا هُوَ مُعْتَادٌ للبشرِ؛ مؤمنِهِم وكافِرِهِم، وبرِّهِم وفاجرِهمِ، وعليهِ؛ فَمَن عَدَّ الْقَتْل فِي سَبِيل الله مُصِيبَةً مُخْتَصَّة بِالْجِهَادِ وحدَه كَانَ من أَجْهَلِ النَّاس بسُنّةِ اللهِ في خلقِه!!

 فَإِنَّ الْمَوْتَ يَعرِضُ لِبَنِي آدَم بِأَسْبَابٍ عَامَّةٍ؛ كالأمراضِ، والأوبئةِ، والكوارثِ العامَّةِ، والهرمِ، وبأسبابٍ خَاصَّةٍ؛ كحوادثِ السّياراتِ، والسُّقوطِ مِن شَاهقٍ، وتناوُلِ السمِّ، والشّجاراتِ، فَالَّذِينَ يقاتلون في سبيلِ اللهِ لَا يصيبهم أَكثر مِمَّا يُصِيبُ الجبانَ الذي لَا يُقَاتلُ؛ فأَينَمَا تَكُونُوا يُدرِككُّمُ الْمَوتُ وَلَوْ كُنتُم فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ، ولَو كُنتُم فِي بُيُوتِكُم لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ القَتلُ إِلى مَضَاجِعِهِم.

 وَلِهَذَا خاطَبَنا اللهُ سُبْحَانَهُ وتعالَى بقولِهِ: {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَو الْقَتْلِ وَإِذاً لَا تَمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً قُل مَنْ ذَا الَّذِي يَعصِمُكُم مِن اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُم سُوءاً أَو أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَة وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيرًا}.

 ثمَّ إنَّ مَوتَ الشَّهِيدِ مِن أيسَرِ المِيتَاتِ وأفضلِها وأعلَاهَا، بل هوَ ليسَ بميِّتٍ؛ لأنَّ الشهداءَ أحياءٌ عندَ ربِّهِم يُرزقونَ، ولكِن لَا تَشعرُونَ؛ فمَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِن مَسِّ الْقَتلِ، إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مَسِّ الْقَرْصَةِ؛ فإنَّ ألمهَا خفيفٌ يسيرٌ، سريعُ الانقضاءِ، لا يُعَقِّبُ عِلّةً، وَلَا سَقَماً، بَل ذهَب جمهورُ العلماءِ إلَى أنَّ الشَّهيدَ لَا يُصلَّى عليهِ؛ ذلكَ أنَّ الصّلاةَ واجبَةٌ علَى الميِّتِ لَا علَى الحَيِّ، وبقصدِ مَغفرَةِ الذُّنوبِ، وقَد غُفِرَت لَه مِن أوَّلِ قطرةٍ مِن دمِه.

 كمَا أنَّ اللهَ جلَّ جلالُه قَد كتبَ لنَا في قتالنَا ضدَّ عدُوِّنَا مَكرُمَتَينِ: إما الشَّهادةَ، وإما النَّصرَ، وفِي الحالتينِ وعدنَا اللهُ أجراً عظيماً، فقال سبحانَه: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}، وإذا كانَ الشَّهداءُ الرَّاحلونَ قَد فازُوا بالأولَى، فإنَّ المكرُمَة الثَّانيَة هِيَ للذينَ لَم يلحَقُوا بِهِم مِن خلفِهِم؛ فإنَّه لا خَوفٌ عليهِم، وهم يَحزنونَ.

 خلاصةُ القولِ: إنَّنَا نَأَوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ هُوَ اللهُ رَبُّنَا وَمَوْلَانَا، وَإنَّ أَهْلَ الشَّامِ فِي كَفَالَةِ اللهِ، وَتَحُفُّهُمْ دَعَوَاتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَهُمْ بِالبَرَكَةِ، وَتَحْرُسُهُمْ المَلَائِكَةُ الكِرَامُ، وَإنَّ رَحْمَةَ اللهِ لَا مُمْسِكَ لَهَا حِينَ يَفْتَحُهَا، وَهِيَ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ، وَإنَّ عَدُوَّنَا لَنْ يَضُرَّنَا إِلَّا أَذَى، وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، وَاللهُ خَيْرٌ حَافِظاً، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكِيلُ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا، وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى