آراءمقالات

المؤامرة الفارسية التي تصدى لها معاوية

د. طه الدليمي
Latest posts by د. طه الدليمي (see all)

لا يدرك الدور الخطير لأمير المؤمنين سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما على وجهه من لم يُحطْ بخريطة المؤامرة وصورتها المعبرة عنها ولو بعناصرها الأساسية. وهذا ملخص بذلك، على شكل نِقاط مختصرة ثم أشرع في مقال أو أكثر لعرض تفاصيلها:

 

1- بدأت الخطوات الأولى على طريق المؤامرة الفارسية بعد معركة (نهاوند سنة 21هـ) مباشرة، التي سميت (فتح الفتوح)؛ لأنها المعركة لأنها المعركة التي أنهت الوجود السياسي للإمبراطورية الفارسية وفتحت أبواب الشرق أمام الفتح العربي الإسلامي.

 

2- انعقاد (مؤتمر نهاوند) على إثر المعركة بقيادة يزدجرد واتخاذ مقررات خطيرة تتعلق باستراتيجية جديدة تعتمد نخر دولة الإسلام من الداخل.

 

3- مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد المؤتمر بسنتين.. آخر سنة 23هـ.

 

4- الانقلاب على عثمان بن عفان رضي الله عنه وقتله آخر سنة 35هـ، وإحداث أول (فوضى خلاقة) في تاريخ الأمة، ومحاولة السيطرة على مصدر القوة والقرار في الدولة الجديدة بقيادة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

 

5- إحداث فتنة بين القادة الكبار للأمة (علي وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية وغيرهم) جرياً على قاعدة (ضرب الكبار بالكبار) بلغت حد الاقتتال.

 

6- محاولة توسيع أسباب (الفوضى الخلاقة) وتجذيرها بالسعي إلى قتل قادة الأمة الثلاثة: علي ومعاوية وعمرو بن العاص، في أمصارها الرئيسة الثلاثة: العراق والشام ومصر. واستثمارها لإعادة الدولة الفارسية إلى الوجود. لكن قتل واحد (علي)، وسلم الآخران (معاوية وعمرو)؛ ففاتت الفرصة.

 

7- عاد الفرس يجربون حظهم مع سيدنا الحسن رضي الله عنه بتحريضه على قيادة أهل العراق ومن معهم لقتال أهل الشام ومن معهم بقيادة سيدنا معاوية رضي الله عنهم، فتصطدم الأمة ببعضها. لكن الحسن فوّت عليهم الفرصة بمبايعة معاوية.

 

8- ما زالت المؤامرة الفارسية تخطط وتتربص حتى أفلحت في استدراج سيدنا الحسين -حسب الرواية الشائعة- في محاولة كان مصيرها الفشل، لكن اتخذوا منها ذريعة لشحن النفوس وبث الأحقاد وتهييج رؤوس أهل بيت علي للخروج مثل زيد بن علي وابنه يحيى، وعبد الله بن الحسن وإخوته وأبنائه وغيرهم، في محاولات باءت جميعاً بالفشل.

 

9- في الوقت نفسه دفعوا رؤوس البيت العباسي لتكوين حزب سري كان دعاته فرساً يقودهم أمثال أبي سلمة الخلال وأبي مسلم الخراساني، وهو من أبناء ملوك فارس. تمكن هذا الحزب العربي بالتعاون مع الجهد الفارسي المنظم العلني والسري من اجتثاث الدولة الأموية سنة 132هـ، وتأسيس دولة عربية في خلافتها ورئاستها، فارسية في وزارتها وإدارتها وكثير من مظاهر وجوانب ثقافتها والبنية التحتية لها.

 

لاحظوا كيف أن الدولة الأموية في الشرق لم تعمر أكثر من (90) عاماً، بينما دامت في الأندلس في أوربا ثمانية قرون! لتدركوا خطر الفرس نسبةً إلى خطر الروم!

 

10- تكللت جهود الفرس بعد خمسة قرون ونيف من اقتلاع الدولة العباسية سنة 656هـ/ 1258م، وإنهاء آخر رسم للخلافة العربية في تاريخ العرب باستقدام المغول إلى بغداد، وكان الدور الأكبر لوزير الدولة الفارسي مؤيد الدين ابن العلقمي، يسانده من فارس نصير الدين الطوسي.

 

ولاحظوا أيضاً أن الدولة الأموية في الأندلس استمرت بعد زوال الدولة العباسية إلى أكثر من قرنين!

 

11- بعد قرنين ونصف من ذلك نجحت المؤامرة الفارسية لأول مرة في تاريخها في إزالة الصبغة السنية لبلاد فارس وتأسيس دولة شيعية الصبغة هي الدولة الصفوية سنة 1500م.

 

12- اتخذت المؤامرة منحى أخطر بعد هذا التاريخ إذ تحالفوا علناً مع الصليبيين: البرتغاليين أولاً، ثم تسلم الإنجليز زمام المؤامرة المزدوجة من بعدهم. وكان الهدف من هذا التعاون المزدوج تمكين الشيعة بقيادة الفرس من الأمة كي يتخلص الغرب الصليبي من خطر الفتح الإسلامي، على قاعدة جديدة متطورة للمؤامرة، هي (الدفاع عن الغرب يبدأ من الشرق).

 

13- للمؤامرة جوانب أُخرى في حاجة إلى استحضار، يأتي على رأسها الجهد العلمي والثقافي الذي اجتاح فيه الموالي حلقات العلم ومجالسها، وضعت أسسه الأولى في (مؤتمر نهاوند). أفصح هذا الجهد عن نشاط خطير قادته الحركة (الشعوبية) التي ظهرت واضحة منذ الأيام الأولى للدولة العباسية. وكان الإمام أحمد بن حنبل – في رأيي – واحداً من الذين نصبوا أنفسهم لمقاومتها في جهد كبير اشترك فيه كثير من الساسة وقادة الدولة وعلماء القرآن والحديث والفقه واللغة والأدب لمواجهة الجهد المنظم الحادث في الأمة والذي تسلق جهاز الدولة نفسه وأمسى مدعوماً من قبل مؤسسات الدولة نفسها!

 

14- وما زالت المؤامرة الفارسية تعمل على هذا الأساس حتى اليوم، وهي في أطوارها الأخيرة، كلما سقط قرن نبت قرن آخر.

 

في ضوء هذا الاستعراض السريع نفهم الدور الخطير الذي كان يضطلع به سيدنا معاوية في الوقوف ضد المؤامرة الفارسية، وفي وسط هذا السلم المتسلسل لحلقات المؤامرة نعرف على أي درجة خطيرة كان يقف هذا الرجل العظيم معاوية بن أبي سفيان. وما هو سر تشويه سيرته والجذور الخفية الكامنة وراء تشويه الصورة الناصعة للدولة الأموية العظيمة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى