الأمة الثقافية

اللُّغة العَرَبيَّة المعاصرة بين التحنيط والتفريط

قال صاحبي (ابن أبي الآفاق التراثي): إنَّ صدماتي لا تنتهي من حُبِّ العَرَب لكلِّ أجنبيٍّ أو غريب، وإنْ كان أصله عَرَبيًّا صميمًا.

سألته: مثل ماذا، يا ابن أبي الآفاق؟

– لديَّ موسوعةٌ، لكن سأضرب لك مثالًا.

– اضرب، ولا تبالِ!

– يقول لك بعض المحدثين، على سبيل النموذج: إن اسم (دُومة الجَندل) القديم هو: “أدوماتو”، ويكتبون هذا وينشرونه! ولو بُعِثَ أحد أبناء دُومة الجَندل لقال لهم: “يا قوم هي: (ألدُّوْمَةُ)!” لكن كلمة “أدوماتو” كانت قبل الرسم الإملائيِّ العَرَبيِّ الذي شهِد بعد الإسلام تطوُّرًا، وتفريقًا بين رسم همزات القطع والوصل، وضبطًا بالشكل. وسُمِّيت “دُومة” لأنها مستديرة؛ يقال: دَوَّم الشيءُ، أي استدار، ودَوَّمه أداره.

– غير أنَّ كلمة “أدوماتو” تروق لبعض المعاصرين؛ لإضفاء رائحةٍ لغويَّة غربيَّة تنتشي لها معاطس العُربان.

– وفي تلك المعاطس داؤهم العياء. وما ذلك إلَّا لما أَلِفُوه من هيمنة اللُّغات المعتَّقة بمثل حروف المدِّ هذه، التي تقابلها في العَرَبيَّة المكتوبة الحركات القصيرة: الضمة والكسرة والفتحة. بل إنَّ العَرَب قد يحوِّلون تلك الحركات القصيرة حتى في الكلمات الأجنبيَّة إلى حركات طويلة، أي إلى حروف مدٍّ، حين ينقلونها إلى العَرَبيَّة، فيقولون، مثلًا: “كُوْرُوْنا”، وهي “كُرونا”؛ يقابلون حركة الضمِّ بواوٍ.. وهكذا. وهذا يُدخلنا إلى إشكاليَّة الضبط بالشكل في العَرَبيَّة؛ فقد أدَّى عدم رسم الحركات القصيرة حروفًا إلى لَبسٍ واسع.

– وممَّا يزيد الطَّين بلَّة اليوم أن يُنشَر الكتاب التراثي غير مضبوطٍ بالشكل.

– صحيح. أفلا يخجل المحقِّق أو الشارح أو الناشر من نشر كتابٍ، كـ”الإيضاح في علوم البلاغة”، لـ(الخطيب القزويني)، غير مضبوطٍ بالشكل؟! ذلك ما نجده، مثلًا، وبصورة فاضحة في الكتاب “بشرح وتعليق وتنقيح” (محمد عبد المنعم خفاجي)، في طبعة من طبعاته المتناسلة، (١٩٩٣)، ولن أشير إلى دار النشر، فهي تعرف نفسها.

– على حين كانت طبعاته القديمة مضبوطة بالشكل.

– نعم، لكنها التجارة الرخيصة، التي تجعل الكتاب عديمَ الفائدة، وتجني على القارئ والطالب بحرمانه الفهم لنصوص لا تُفهَم بلا ضبطٍ بالشكل!

– إنْ فُهِمت!

– ذاك إنْ…

– كأنَّها ما زالت في نفسك أشياء من كُتب التراث نفسها، لا من طبعاتها فقط!

– لا أكذِب الله، كأنَّها! وإنَّما يبعث على التورُّع عن نقد تلك الكتب ثقافة تقديس الماضي، متمثِّلًا في آبائه. فتُدار الأجيال في فَلَك الأشخاص من أعلام التراث، كأنَّهم شموس لا تغيب. وما يزال الرُّعب يُراوِد النفوس، لا من انتقاد مؤلَّفاتهم فحسب، ولكن أيضًا من الخروج عن مداراتهم ومجرَّاتهم، خشيَّة أن يتقوَّض الكون!

– ألا يتأتَّى تقدير جهود السَّلَف إلَّا بارتهان الخَلَف إليهم؟ وبالاكتفاء باجترار تلك الجهود، بلا إضافة تُذكَر، لا تجديديَّة، ولا حتى تحسينيَّة أو إخراجيَّة تتناسب مع مرور مئات السنين على تلك الإنجازات؟

– كلَّا، يا ابن الحلال، لا يتأتَّى! إنَّ مجرَّد اقتراح مثل تلك المراجعة سيعرِّض صاحبها للنظر شزرًا، في أهون ردود الأفعال. وكلَّما قَدُسَ عند أهله موضوعٌ بَطُلَ النظر إليه عِلْميًّا؛ فأَضَرُّوا به من حيث ظَنُّوا أنهم محسنون!

– وتلك شِنشنة قديمة، كما تعلم، منذ ثورة (ابن مضاء الأندلسي، -٥٩٢هـ= ١١٩٦م) على النُّحاة، في كتبه: “المشرق في النحو”، و”تنزيه القرآن عمَّا لا يليق بالبيان”، و”الرَّد على النُّحاة”.

– ولعلَّه لأمرٍ من ذاك فُقِد كتاباه الأوَّلان، وما زالا في علم الغيب حتى اليوم. وصولًا إلى (الدكتور خليل أحمد عمايرة) وردِّه على النُّحاة، في كتابه “في نحو اللغة وتراكيبها: منهج وتطبيق”، ١٩٨٤، أو “العامل النحوي بين مؤيِّديه ومعارضيه، ودَوره في التحليل اللغوي”، ١٩٨٨، وغيرهما. وهو اجتهادٌ حديث. ولا احترام لدينا لاجتهادٍ إلَّا إذا كان لبعض آبائنا الأوائل، أو على منوالهم. أمَّا اجتهادات هذه “النابتة” في آخر الزمان، فلا! ولذا لا تتقدَّم أُمَّتنا خطوة؛ لأنَّ عجلة التخلُّف تأبى إلَّا الرجوع إلى الوراء.

– “بَلْ قَالُوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ، وإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُهْتَدُون.”

– نعم، وهي سُنَّةٌ عَرَبيَّةٌ عريقة، قديمةٌ جديدة. ومن هنا كانت خطوة العمايرة مثار تنافسٍ للردِّ عليها؛ لقَمعها، ووأدها قبل ميلادها، لا لتقويمها، أو تعديلها والبناء عليها. وكذلك يفعلون! لا يتبعون الحقَّ، إنَّما يتبعون آباءهم وكبراءهم. قيل: مَرَّ (الشَّعبيُّ) بقَوْمٍ من المَوالي يَتذاكرون النَّحوَ، فقال لهم: “لئن أَصْلحتموه، فإنَّكم أوَّل من أفسده!” ومن الفساد الثقافي اللَّاحق التحريج من نقد فساده السابق. ذاك الذي كان بمصطلحاته ميدان تندُّر في التراث. كقول الشاعر الأموي (البردخت الضَّبي):

تَتَبَّـــــــعُ لَحْــــــنًا في كَــــــــلامٍ مُــرَقَّـــــشٍ

وخَلقُكَ مبنيٌّ على اللَّحنِ أجمَعُ

فَعَينُكَ إِقواءٌ، وأَنفُكَ مُكفَأٌ

ووجـــهُــكَ إِيطـــاءٌ، فَأَنــتَ مُــرَبَّـــــــــعُ!

– أتُنكر فضل النُّحاة؟

– على العكس. بَيْدَ أنَّ ذلك الفضل لا يكون ولا يبقى إلَّا بالمراجعة. إنَّ اللُّغات لا تبقى- بَلْهَ ترقى- بتمجيدها، والتهليل من حولها، والتكبير حول أعلامها، وتلاوة الرُّقَى. ولا بالاحتفال السنويِّ البارد، تحت شعارٍ “عالميٍّ”، أشبه بالتأبين.

– وما سمعنا بيومٍ عالميٍّ للُّغة الإنجليزيَّة أو الفرنسيَّة، مثلًا.

– لأنَّ جميع أيام السنة أيَّامهما العالميَّة، المنتِجة. ولقد كانت اللَّاتينيَّة كذلك في قلوب أهلها، فخمدت، واندثرت. بل إنَّ ذلك التمجيد نفسه ترياق الخمود والاندثار. وليس بسِوَى محاولةٍ تعويضيَّةٍ عن الشعور بدنوِّ الأجل، أو رثاء للُّغة في حياتها المؤذِنة بالأُفول. وإنَّما تبقى اللغاتُ ببقاء أهلها على قيد الحضارة، وهي لغتهم المستعملة، ومحلُّ نقدهم، وصقلهم، وتجديدهم، لا محلُّ نقشهم إيَّاها على الجُدران، وعَقلها، وتجميدها على ما كان قعَّده أبوهم قبل مئات السنين. وأمَّا الانحدار من هذه الهُوَّة إلى الهُوَّة الأسحق، وهي التغنِّي بوفيَّات الأعيان من اللغويِّين والنحويِّين الذين خدموا اللُّغة قبل قرونٍ متطاولة، وحُسبان كلّ كلمةٍ في غير غرض مديحهم عداءً للتراث، وطعنًا في الآباء والأجداد، فرومانسيَّةٌ حديثة، تدلُّ على خواءٍ فاضح، وأنَّ جوقة المتغنِّين هؤلاء لا يملكون ما يقدِّمون حقيقةً، غير مديح شيوخ القبيلة القدماء، كيما يُعَدُّوا من جُملة أبنائها الغُيُر، ولو بالولاء! على أنَّ عمليَّة تمجيد اللُّغَة المغالَى فيه، ثمَّ تمجيد أعلامها الأشد غُلُوًّا، لا يقتصر خواؤها على ما تشكِّله من طقسٍ ملهاويٍّ، لا يُسمِن اللغة ولا يُغني من جوعها، بل يُسهِم، بدَوره، في المسارعة بالمرحومة إلى مثواها الأخير؛ من حيث يرفعها عن محاولات الإنعاش، فضلًا عن محاولة إجراء عمليَّات جراحيَّة، أو تجميليَّة، ولو بتقنيَّة “الليزر”، من خلال المراجعة والدرس والنقد الجاد؛ لإعادة النظر إلى اللغة وَفق نظريَّات اللغة الحديثة، لا الاكتفاء باجترار المنجَز البالي لعلماء الفُرس والعَرَب الغابرين، رحمهم الله، الذي إنَّما جاء بأدوات متواضعة قبل أكثر من ألف سنة. ذلك المنجَز الذي، مهما قيل في قيمته وفي ريادته، لا يصحُّ في عقلٍ طبيعيٍّ أن يراه مستثنًى من سُنن التطوُّر وضروراتها. غير أن مشكلة اللغويِّين التقليديِّين والنُّحاة والبلاغيِّين جميعًا أنهم ورثة نظرةٍ قديمةٍ إلى اللغة، على أنها ثابتة، أو جامدة، على مقاييس عصورٍ “مثاليَّةٍ” معيَّنة، هي الحقُّ المطلق وما عداها الباطل. وما هكذا طبيعة اللغات أصلًا، وإلَّا لما عادت اللُّغَةُ لُغَةً، بل صارت محض شريطٍ تسجيليٍّ يُردَّد. والإنسان الطبيعيُّ لا يُردِّد؛ لكنه يُبدِع ويُجدِّد، وأوَّل آليَّاته إلى الإبداع اللُّغة. فإذا حُرِم منها، كما هي، لم يُعُد إنسانًا، وتحوَّل إلى طائر ببغاء. وهذه النظرة العتيقة إلى اللُّغَة ليست بمعزلٍ عن النظرة العتيقة إلى القِيَم عمومًا والثقافة. وهي نظرةٌ متعصِّبةٌ جِدًّا، يصل تعصُّبها إلى درجة تقديس كلِّ قديم؛ لا لشيءٍ إلَّا لأنَّه قديم، وتجريم كلِّ جديد لأنَّه جديد، سواء أأعَرَب أصحاب هذا النزوع عن موقفهم صراحة، أم جلببوه بجلابيب تُزيِّنه في أعين الناس، وتُكسِبه لديهم القبول والاحترام والمشروعيَّة، حدَّ الحماسة القتاليَّة من أجل عينيه الدعجاوين.

——————-

د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى