الأمة الثقافية

اللغة.. كيف تحيا ومتى تموت؟

قرأتُ لك:

بمراقبة المشهد اللغوي عن كثب، يتضحُ ارتباطُ اللغة بأهلها قوة وضعفا، فكلما كانت الأمةُ قوية كانت لغتُها باسقة الأغصان راسخة الجذور والعكس.

وكما أنه تقعُ الحروبُ بين البشر، وينتج عن ذلك استعلاءُ أمة على غيرها، والتحكمُ في مقدراتها، فإنها تقعُ بين اللغات، ويكون نتاج ذلك: إما سيطرةُ الغالب على المغلوب سيطرةً كلية، لا يستطيع معها المنهزمُ الفكاك والتعبير عن نفسه، وإما التمازجُ والاقتران بين اللغتين، أما الخيارُ الثالث فهو اتفاق اللغتين وتعايشهما جنبا إلى جنب بغض النظر عن الغالب والمغلوب، ويكون البقاءُ في النهاية للأقوى!

وباستقراء التاريخ نجد أن هناك لغات أصابها الضعفُ والهوان بعدما كانت لها القوةُ والغلبة، كما نلحظُ اختفاء لغات حينا من الدهر بسبب اختفاء أهلها عن مشهد التأثير، بعدها يبزغ نجمها وتعتلى مكانة سامقة في مشهد التأثير بين اللغات؛ نتيجة عودة أهلها إلى مشهد القوة والتمكين، وتعتبرُ اللغةُ العبرية مثالا على ذلك، كما نلحظ أن هناك لغات أخرى ماتت واندثرت، وأضحت ذكرى يقصُها علينا التاريخ كلما قلّبنا صفحاته، مثل اللغات الهيروغليفية والفينيقية والسريانية التي ماتت بفناء أهلها !.

وقوة اللغة وضعفها، بل موتها وبقاؤها لا يحدث نتيجة خبط عشوائى، بل يجرى وفق نواميس كونية، وسننٍ لغوية تتمثلُ في عوامل وأسباب القوة والسيادة، كاعتلاء أهل اللغة مراكز سيادية في التقدم العلمي والاقتصادي والسياسي، وغير ذلك، كما هى الحال في اللغة الإنجليزية التي بسطت نفوذها نتيجة قوة أهلها، فأضحى أكثرُ من 80% من الإنتاج العلمي العالمي باللغة الإنجليزية.

والعلاقةُ بين اللغة وأهلها تتناسبُ تناسبا طرديا، فكلما قويت شوكة الأمة سمت لغتُها، وكلما حل عليها الضعف واعتراها الهوان، ضعفت لغتها ضعفا ربما وصل لحد الموت، والذي يكونُ إما طبيعيا نتيجة الهرم والشيخوخة، أو قتلا نتيجة غزو خارجي، أو تسمما نتيجة اقتحام كلمات دخيلة حقل لغة البلاد!.

وكتابُ.. اللغة كيف تحيا ؟.. ومتى تموت؟ لمؤلفه د.محمد داود الأستاذ بجامعة قناة السويس، والذي نشرته دار نهضة مصر وجاء في 288 صفحة من القطع المتوسط، والذي ظهرت على غلافه « مِشنقة» تُمسك بمخنق حرف الضاد باعتبار اللغة العربية نموذجا ومثالا، يُعتبر رحلة شيقة للتعرف على سرٍ من أسرار الإنسان على كوكب الأرض، ويقفُ على حقائق تعتبر طوق نجاة يجب التمسك به إذا أردنا للغتنا العربية بقاء وازدهارا.

————-

صبري الموجي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى