آراءمقالات

القرآن.. واللسانيات النصية

Latest posts by د. سعد مصلوح (see all)

منذ أن دعوت مع الداعين إلى أن نولِّيَ وجوهَنا شطرَ اللسانيات النصية تجديدا للمنظور البحثي اللساني، نَسَلَ الدارسون من كل حَدَبٍ إلى هذا المجال، فكانت بحوث وأطاريح يخطئها الحصر في مشارق الجامعات العربية ومغاربها، تقدم بها أصحابها لنيل الدرجات العلى في السلك الجامعي.

وقد شاء الله لي، محَكَّما أو مناقِشا أو مَحْضَ قارئ، أن أطلع على عدد ليس بالقليل من تلكم الدراسات التي أرادها أصحابها تطبيقا لنحو النص أو اللسانيات النصية على سوَر القرآن العزيز.

ولا ريب أن القارئَ واجدٌ في هذه الدراسات وغيرها تفاوتا مرده إلى تفاوت الاستعداد والملكات واستحكام الأدوات، ولا ريب أيضا أن من سور القرآن نماذج عليا تستجيب باقتدار للمقولات التي تعتمدها مختَلِف المدارس في هذا المقام، وهو جهد كاشف عن مظهر مهم من مظاهر الجمال والإعجاز البياني في القرآن. 

بيد أني أستيقظُ أنظارَ  زملائي وأبنائي من الباحثين صَدَد هذا إلى أمور:

أولها- إن الملازم لقراءة القرآن وتدبره مستيقن أن كثرة من السور تتأبى على الانضواء في لين وطواعية لمقولات بتوفي وفان دايك ودريسلر وغيرهم من علماء اللسان من أهل العدوة القصوى.

ثانيها- إن ذلك لا ينال من عظمة القرآن في شيء؛ فالكتاب الكريم ما نزل ليكون مصدقا لما بين أيدينا من نظريات ومنهجيات، وهو أجلّ من ذلك وفوق ذلك؛ من حيث الغاية والرسالة ومن حيث إنه كلمة الله الهادية للإنسان، والحاكمة لمسيره والمنبئة عن مصيره؛ وإلا انتهى بِنَا الأمر إلى نتيجة كاذبة خاطئة؛ هي أن ما لا يستجيب من سور القرآن لمعايير النصية ومقولاتها  (كما في أكثر السبع الطول مثلا) يحتل منزلة دون المستجيب (على ما نجده في القرآن المكي)، وهو قول تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا. 

ثالثها- إن مثل هذه الجهود -حتى ما أصابه التوفيق منها- تنتهي إلى غاية مفروغ من صحتها، وإلى نتائجَ خلاءٍ من أي مفاجأة، وبذلك يخدم مثل هذا العمل  النظريات الوافدة بأكثر مما يخدم القرآن.

وإن يكن له من جدوى فليس إلا الشرح والتدليل وتقريب هذه الرؤى المحدثة للقارئ العربي.

وربما يدخل ذلك بعض الضيم على كينونتها البحثية؛ إذ تتدنى بها المنزلة من صفة البحث العلمي إلى صفة المثال الشارح.

ولعل في ذلك بلاغا من ناصح أمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى