آراءمقالات

الفريق والمنفرد

Latest posts by كارم عبد الغفار (see all)

 

◘ سؤال مفصلي متكرر: أيهما أجدى، والسؤال هنا فقط عن مدى التأثير، العمل الجماعي بضوابطه الثقيلة؟ أم الفردي الحر؟ ومتى يكون الفردي أشبه بالجماعي؟

 

♦ تعلم يا حسن أن عالمنا البائس تدير دفته السياسية والاقتصادية تكتلات معدودة للغاية بعضها واضح معروف بالأسماء، وبعضها غامض لكن أثرها ملموس، وتستطيع مع التدقيق أن تعرف أن العالم يديره تكتل عصبوي واحد زعيمه الروحي إبليس وأعضاؤه الفاعلون تجار متربحون وصهاينة ملتاثون وثلة من المجرمين النافذين، وينفذ خطته بنشاط لوبيهات اقتصادية تغرس خنجرها في خواصر العالم التي توظف خدمًا لديها في معظم بقاع العالم بشكل مباشر وغير مباشر، تحت اسم (أنظمة) ومن بين هذه البقاع عالمنا العربي الإسلامي.

 

♦ وتعلم أيضًا أن أي “تجمع فاعل متمدد”، وأعني به التكتل حول فكرة ما سواء باتفاق واضح بين الأفراد وتقارب في المكان أو بانحياز فكري “من بعيد لبعيد”، ثم التحرك بهذه الفكرة لتطبيقها مع سهولة استيعاب أعضاء جدد كثيرين فيها (بانتساب فعلي أو انحياز عام)، هو كابوس مرعب لأي نظام محلي مستبد، وبطبيعة الحال للوبيهات الكبيرة التي تدير العالم، وتريد له أن يستمر وفق وضع سياسي واقتصادي موافق لخطتهم؛ لذا تهيج ثيران الأنظمة أمام مثل هذه التجمعات الفاعلة المتمددة؛ لأنها تشكل مشاغبة على خريطة اللوبيهات الخارجية وعلى خدمها المحليين.

 

♦ ولذا فأنت ترى يا حسن أن المستبدين – خاصة في عالمنا العربي الإسلامي – لا يهتمون كثيرًا بالكتّاب ولا المنظرين ولا الفقهاء ما داموا قابعين في زواياهم يكررون المكرر ويبينون المبين ويشرحون المشروح، ويحولون تفصيلات المسائل إلى تفاهات التفصيلات، مع كامل التوقير للمنتَج المتفرد الموقظ للوعي المشعل للعزائم، وهو نادر بالطبع.

 

♦ لكن ثلاثية «التجمع، الفاعلية، التمدد» هي الخطر الفعلي على هؤلاء – أيًّا كان نوع «التجمع، والفاعلية، والتمدد» أو اتجاهها – لأنه يعني أن هناك بديلًا قد تتحول إليه أنظار المجتمع والرأي العام فيجدد طموحاتهم نحو طريقة جديدة في الحياة أفضل من التي يعيشونها أو على الأقل غير التي يعيشونها؛ فيضرب ذلك خريطتي الاقتصاد والسياسة الثابتتين على وضعهما منذ أوائل أربعينيات القرن العشرين تقريبًا.

 

♦ ومما يؤكد خطورة هذه الثلاثية على هذه الأنظمة أن البذرة الأولى لهذه الثلاثية، وهي (الفرد الفاعل المتمرد النشط) يشكل هاجسًا لهم حتى قبل أن ينضم إليه أو ينضم هو إلى تجمع فاعل متمدد؛ لأنه خطير بذاته، خطير حتى في فردانيته إذا كان يملك مشروعًا، حيث تكون فاعليته قابلة للتمدد واجتذاب آخرين، وهي الحالات النادرة التي يصير فيها الفرد جماعة وتيارًا.

 

♦ ولعل هذا هو الذي جعل الأئمة عبد الرحمن بن أبي بكر وأبا حنيفة وابن جبير وابن المسيب وابن أبي ذئب وبكار بن قتيبة وحسن العدوي والجبرتي وعمر مكرم والأفغاني وحسن البنا والمراغي والقرضاوي، وأمثالهم حالة فقهية مقلقة للحاكم، لقفزهم خارج القفص النظري المستأنس، ومشاركتهم بقوة في تحريك الأحداث من حولهم بـ«الفاعلية» ما جعلهم قريبين من الحالة الجماعية المخيفة لأي نظام (التجمع، الفاعلية، التمدد)، وذلك على عكس العشرات ممن عاصروا المذكورين أو تلوهم، من الذين اختاروا غرفًا هادئة لممارسة «يوجا» فقه العبادات والمعاملات.

 

♦ بل إن «الفعل السلبي» وهو رفض الامتثال للسلطة في أمر ما من قبل رمز ما، مجرد الرفض، مثل ما قام به أمثال (البويطي وابن نصر الخزاعي وابن حنبل) في «خلق القرآن»، كان مزعجًا غاية الإزعاج للمستبدين؛ لاحتمالية تحوله من بذرة صحوة فردية إلى «التجمع والفاعلية والتمدد».

 

♦ وفي المقابل لم يزعج السلطة منتج الإمام ابن حنبل من علوم شرعية ونظرية، بل إن تأصيلات الحنابلة السياسية وافقت هوى الحكام وثبتت أركانهم بقصد ودون قصد، وكذلك لم يكن الإمامان مالك والشافعي، رغم قامتهما في مجالهما، مصدر إزعاج بحال من الأحوال للنظام المتجبر، وكذلك كان ابن تيمية – في غالب حاله – وأغلب فقهاء المسلمين في عصورهم المختلفة.

 

♦ «الثلاثية» بنظري هي مفتاح البداية والنهاية، سواء بجملتها، يعني على بعضها، (التجمع، الفاعلية، التمددد) أو حضور عنصر منها في فرد فاعل أو في فريق.

 

♦ وعليه فكل التكتلات والجماعات والروابط النبيلة – ولو من (3 أفراد) – والمتحركة الفاعلة ضمن شارعها والتي تستوعب أعضاء جددًا بسهولة، هي المحاولة الأجدى للتغيير في عالمنا المظلم وهي الأقوى أثرًا في السياسة والاجتماع والدعوة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى