آراءمقالات

الغوطة فسطاط المسلمين

عامر عبد المنعم
Latest posts by عامر عبد المنعم (see all)

الصور البشعة القادمة من الغوطة الشرقية تؤكد أن الدم العربي المسلم لم يعد له قيمة، وهي لعنة لن تتوقف نتائجها عند بشار والروس والإيرانيين الذين يقتلون السوريين ويدمرون بيوتهم بالقنابل العمياء بكل بشاعة، وإنما ستصيب من يسكت على هذا الإجرام ولا يشعر بالغضب من سفك الدم ولا يعبر عن إدانته لهذا الإجرام ولو بكلمة.

القصف اليومي للغوطة جريمة إبادة، وكأن الشعب السوري يعيش تجربة الهنود الحمر، مع الفارق؛ فعندما ذبح المهاجرون الأوربيون الأمة الهندية في الأمريكتين لم يكن هناك إعلام يرصد ويصور.

اليوم تتم الإبادة في الغوطة على مرأى ومسمع من كل العالم الذي فقد إنسانيته؛ فإلقاء أطنان من القنابل لقتل النساء والأطفال في بيوتهم موثق بالصوت والصورة، بل والغريب أن المشاركين في الجرائم لا يتوقفون عن طرح المبادرات بزعم حل النزاع!

الاستراتيجية الواضحة للدول التي تحتل سوريا في الوقت الحالي سواء روسيا وإيران أو أمريكا وحلفاؤها هي تهجير السكان السنة وطردهم من مدنهم وقراهم، بالقصف المتواصل واختبار أسلحة الدمار والقتل الجماعي بلا رحمة بشكل يومي.

والهدف الاستراتيجي وسط هذا التهجير هو تفريغ ما يسمى “سوريا المفيدة” والتي تضم الساحل ودمشق من السكان، وإخلاؤها في أكبر عملية تغيير ديموغرافي في العقود الأخيرة لصالح إيران والشيعة بحماية دولية.

إن التدمير الذي تتعرض له الغوطة الشرقية يأتي في إطار سياسة التطهير الطائفي للسنة في محيط العاصمة السورية، كما فعلوا من قبل في الزبداني ومضايا وداريا ووادي بردى.

وهذا التطهير في محيط العاصمة يصاحبه تطهير بداخل دمشق حيث يسيطر الإيرانيون وشيعة لبنان على البيوت والمتاجر والأسواق، بالشراء وبالإرهاب والتخويف، وكانت واقعة حرق سوق العصرونية في إبريل 2016 دليلا على هذا التهجير الطائفي حيث رفض التجار السنة بيع متاجرهم وترك السوق فكان التخريب بإشعال النار لإجبارهم على المغادرة.

أهل الغوطة وتزكية الرسول

التغير الجديد في معركة الغوطة أن أهلها قرروا الدفاع وعدم التسليم مهما  كان حجم الدمار، وهم يعتزون بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم.

لقد اطلعت على كتاب” تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق”للشيخ الألباني وقرأت أحاديث النبي عن الغوطة والشام، فوجدت عددا من الأحاديث المهمة التي يتنبأ فيها النبي محمد صلى الله عليه وسلم بزمن الملاحم الذي نعيشه، تساعدنا في تحديد وجهتنا وانحيازاتنا،  ومما قال أن الغوطة هيفسطاط المسلمين، أي الخيمة أو الحصن أو المعسكر،وكأنه يدعونا للوقوف مع الغوطة، نصرة ودعما وتأييدا، وعدم خذلانها.

عن أبي الدّرْدَاءِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: فُسْطَاط المُسْلِمِينَ يَوْمَ المَلْحَمَةِ بالْغُوطَةِ إلَى جَانِبِ مَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشّامِ

وفي رواية ثانية: قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يومئذ )

وفي حديث ثالث تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بحدوث ست علامات قبل قيام الساعة أشار فيها إلى الغوطة. عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بناء له، فسلمت عليه . فقال: عوف قلت: نعم يا رسول الله! قال: ( ادخل ) فقلت: كلي أو بعضي ؟ قال: ( بل كلك ) قال: فقال لي: (اعدد عوف! ستا بين يدي الساعة؛ أولهن موتي)، قال: فاستبكيت حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكتني . قال: ( قل: إحدى . والثانية فتح بيت المقدس، قل اثنين . والثالثة فتنة تكون في أمتي وعظمها . والرابعة موتان يقع في أمتي يأخذهم كقعاص الغنم . والخامسة يفيض المال فيكم فيضاً حتى إن الرجل ليعطي المائة دينار فيظل يسخطها، قل خمساً . والسادسة هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر يسيرون إليكم على ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفا، فسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة و يقال لها: دمشق).

 

المنارة البيضاء

وقد حكى لي صديق سوري أن مساجد الغوطة تتميز بالمنارات البيضاء فهم يؤمنون بأن السيد المسيح عند نزوله إلى الأرض سينزل في الغوطة على منارة بيضاء،تصديقا للحديث الشريف “عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ينزل عيسى بن مريم عليهما السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق” والغوطة تقع شرق دمشق.

وهناك أحاديث أخرى عن الملاحم في آخر الزمان تتحدث عن الشام وأهميته في المعارك الفاصلة يمكن الاطلاع عليها في كتاب الألباني الذي جمعها من كتب السنة وحققها ونقل الصحيح منها.

 

النبوءات وأهميتها

النبوءات المؤكدة في الأحاديث الصحيحة تساهم في فهم ما يجري، وتساعد أهل البصائر في تفسير الأحداث، ومع عدم بناء الأحكام على النبوءات لاختلاف التفسيرات فإننا نشاهد دول الغرب المسيحي تبني سياساتها على النبوءات التي وردت في كتبهم رغم التحريف والتبديل.

فالحكومات الأمريكية مع تعدد ألوانها تحركها النبوءات؛ فالمسيحية الصهيونية التي تسيطر على دوائر الحكم في الولايات المتحدة قائمة على سفر الرؤيا والتفسيرات الإنجيلية التي تحرض على حروب آخر الزمان كضرورة تسبق النزول الثاني للمسيح.

لكن الفارق بين المسلمين  والمسيحيين الغربيين أن الإسلام لا يدعونا إلى الاعتداء والظلم، بينما التفسيرات الرؤيوية الإنجيلية تدعو للحروب الاستباقية والقتل وإزهاق الأرواح “حتى يصل الدم إلى رقاب الخيل”.

الأحاديث الواردة عن فسطاط المسلمين في الغوطة تؤكد أنها ستنتصر، وأنها ستصمد أمام جيوش 80 دولة رغم ما قد يبدو من فارق في التسليح، ففي تاريخنا كم من أمم هزمناها بعدد قليل وعتاد بسيط، فالقوة ليست في عدد الطائرات وقدرة الصواريخ وإنما في قوة القلوب التي يجعلها الإيمان أقوى من الفولاذ.

قد يتسبب العدوان في تدمير البيوت وتخريب العمران وارتقاء الشهداء، لكن تواصل الإجرام في حق البشر يزرع بذور الصبر والصمود في الأجيال الجديدة، وسينتج عن هذه الغطرسة روح جديدة لا تعرف الخوف، من كثرة العيش وسط النيران والقنابل، تبحث عن ثأرها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى