آراءبحوث ودراسات

الشّيخ بشير بن حسن يكتب: فلسفة الإسلام للحجاب

Latest posts by بشير بن حسن (see all)

فلسفة الإسلام في الحجاب

مما ابتليت به أمتنا اليوم أن البعض يعرض عليها الأحكام الشرعية عرضا عسكريا شرطيا متسلّطا دون دليل أثري ولا نظري، أو ربما مقتصرين على الدليل الأثري دون النظري، في غياب تام عن التعليل والتقصيد، مع أن جميع الأحكام الشرعية أكاد أجزم أنها معلّلة (أي تُذكر عللها إما نصاّ أو استنباطا) وذلك من حكمة الله تعالى ليزداد المؤمنون إيمانا، ويسهل على المكلف الانقياد والاستسلام لربه،

 

وإن غياب هذا المنهج في (الغالب) افرز لنا فقها (باردا جافا) لا روح فيه، غير أفعل أو لا تفعل وإلا فالنار موعدك! إذ كثيرا ما يغلّبون الترهيب على الترغيب! “وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا”

 

ومن ذلك مسألة الحجاب التي تطفو من حين لآخر على سطح الأحداث، والتي لم أجد لها طرحا موضوعيا متناسقا إلا قليلا! غير الكلام عن شكله ولونه وحجمه وغير ذلك من الجزئيات البعيدة عن فلسفة الإسلام له!

 

والكلام عن الحجاب ليس من السهولة المتوقعة بل موضوعه شائك ومتداخل، وتتصل به عدة أبعاد،

 

أولها: البعد العقائدي: فهو أمر الله ورسوله الذي لا شكّ فيه ،وهو من المعلوم من الدين بالضرورة، فقد نزل في إيجابه قرآن يتلى إلى يوم القيامة. سورة النور: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن…) والجيوب هي الصدور والنحور، والخلاف بين العلماء في الزينة التي يجوز أن تظهرها المرأة، فبين قائل: الكحل والخاتم كما هو رأي بن عباس والإمام مالك وغيرهما، وبين قائل: إلا ما ظهر منها بغير قصدها، الخ…

 

وقوله تعالى(يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك و نساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين…) وسبب نزولها كما هو معروف أن المنافقين كانوا يتعرضون بالمعاكسة لكل من تعرض طريقهم غير مفرقين بين الحرة والأمَة، فألزم الله الحرائر من النساء للباس زائد عن الإماء من أجل التمييز، ودفع الأذى عنهن ، ويبقى السؤال هل هذا وارد في زمان ليس فيه إماء بل كل النساء حرائر؟ هذا محل نزاع بين العلماء قديما وحديثا!

 

كذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا حاضت المرأة فلا يحل أن يظهر منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه). وهذا الحديث تلقته الأمة بالقبول على كلام في سنده عند بعض المحدثين.

فإذن الحجاب الإسلامي له ارتباط وثيق بالعقيدة الإسلامية لأنه من أمر الله ورسوله، ولأنه جزء من كتاب الله عز و جل ، فإنكار وجوبه أو مشروعيته إنكار لكتاب الله!

 

ثانيا: البعد الفقهي: وذلك أن الحجاب فرض واجب بالإجماع لكن الخلاف بين العلماء في حده، فمنهم من أوجب تغطية المرأة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، ومنهم وهم الجمهور على جواز كشف الوجه والكفين .(وقد أنزلت كلام الفقهاء في هذه المسألة).

 

والذي يجب أن يعلم أن الشروط التي يجب أن تتوفر في الحجاب هي:

 

1- أن يكون ساترا لما يجب ستره.

 

2- أن يكون صفيقا غير شفاف.

 

3- أن يكون فضفاضا غير ضيق يصف حجم المفاتن.

 

4- أن يكون غير معطّر .

 

 

وليس شرطا أن يكون قاتما ولا أسودا ولا غير ذلك فمسألة الألوان غير منصوص عليها شرعا، وإثارتها نوع من أنواع التنطع والتكلف الذي نهينا عنه.

 

ثالثا: البعد التاريخي في تشريعه: جاء فرض الحجاب متأخرا في الإسلام حيث أن سورة النور والأحزاب نزلتا بين العام الخامس والسادس للهجرة، وعلى هذا إذا حسبنا السنوات نجد أن الحجاب فُرض بعد تسعة عشر عاما من ابتداء نزول الوحي!

وهذا يضعنا أمام حقيقة لا يجوز إنكارها، وهي أن الحجاب سبقته تربية إيمانية وروحية ضرورية، على كثير من معاني العبودية لله تعالى؛ وعلى معاني الأنوثة أيضا من الحياء والحشمة والبعد عن الترجّل، والصلف وسلاطة اللسان وغيرها مما يتنافى مع الأنوثة بل مع مقاصد الحجاب الشرعي!

 

فالحجاب ليس إلا غطاء خارجيا قد سبقه حجاب باطني، لقلب المرأة عن الشبهات والشهوات (المحرمة)، والله تبارك وتعالى اعلم و أحكم ، يعلم متى يُلزم عباده ومتى لا يُلزمهم، ولا يفهم من كلامي هذا أنني أدعو إلى خلعه أو الرجوع إلى ما قبل فرضه! لا! وإنما الذي أريد أن أقرره ههنا أن الحجاب لا ينبغي لبسه على قلب منافق، أو إيمان ضعيف، أو عدم اقتناع تام به، وإلا فإنه سيكون نوعا من أنواع الغش، وتصنعا للدين والتقوى، أو أنها ستضعه وتخلعه كما هي الظاهرة اليوم! على أن كثيرا منهن تلبسنه تحت طائل الإكراه! لأنها مهددة بالطلاق إن لم تلبسه؛ أو خوفا من الأب أو الإخوة أو المجتمع الذي تعيش فيه! بل منهن من تخلعه إذا ابتعدت عن أنظار من تجاملهم به، إذا سافرت أو غابت عنهم وتلبسه اذا عادت إلى بيتها! (وليس الذي أقوله حكم عام فانتبه)!

 

رابعا: البعد الأصولي: الحجاب وإن كان فرضا واجبا إلا أنه ليس في مرتبة أركان الإسلام!! لأن الواجبات تتفاوت في الوجوب كما هو متقرر في علم أصول الفقه، وعلى هذا فإن بعض الناس يخطئ حينما يقول: الحجاب فرض كالصلاة!!

وهذا قياس مع الفارق!! فالصلاة فرضت في أول الإسلام بخلاف الحجاب! والصلاة أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة بخلاف الحجاب، والصلاة ركن من أركان الإسلام بخلاف الحجاب وهكذا.. فالواجبات تتفاوت في الوجوب والآكدية، (وليس المراد من هذا الكلام التهوين من شأنه) ولكن يجب وضع الشيء في موضعه، واعتبار الأولويات في المسائل .

 

خامسا: البعد المقاصدي: ما هو المقصود من الحجاب؟ أهو تكبيل المرأة والحجر عليها أن تعيش سعيدة؟ لا أبدا وإنما المقصود من الحجاب حفظ المرأة وصونها عن أنظار الرجال لأنها ثمينة وغالية، وما كان ثمينا فإنه يُخفى ويُحفظ عن الأنظار والأيدي!

 

سادسا: البعد العرفي: الحجاب وإن كان من أمر الله تعالى وهو قطعا من العبادات، إلا أنه تدخله العادة! لأنه من اللباس الذي يخضع للعادات في الشرع!! وهذا محل إجماع بين العلماء! وعلى هذا فالحجاب يخضع للعرف، أي اعرف البلاد التي تسكنها المرأة، مع المحافظة على شروطه السابقة، فلا تلبس المرأة حجابا يخالف العرف المطّرد (أي السائد المنضبط في المجتمع) وإلا وقعت في لباس الشهرة المنهي عنه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من لبس لباس شهرة ألبسه الله يوم القيامة لباس ذل ثم ألهبه عليه نارا) رواه أبو داود بإسناد صحيح.

 

فمثلا اذا نظرنا لبلاد المسلمين نجد البسة مختلفة للرجال والنساء، والنساء في كل بلد لهن حجاب، فالمرأة السودانية تحتجب بلباس بلدها؛ والموريتانية، والباكستانية؛ والماليزية، والمغاربية، والخليجية وهكذا.. كل بلد له عرف! ومن القواعد الفقهية الكبرى: العادة محكّمة، أي معتبرة.

 

سابعا: البعد الاجتماعي: الحجاب في الإسلام لا يجوز أن يتحول إلى عقبة أو عائق في حياة المرأة المسلمة، يعيقها عن الحياة الطبيعية، والإسهام والمشاركة في جميع شؤون الحياة، فإن الصحابيات الفاضلات التزمن بالحجاب، وشاركن في كل شؤون الحياة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، في الشورى، والتعلّم والتعليم، بل حتى في الحرب، والقتال، والتمريض والطب، وقد بوب البخاري بابا في صحيحه: باب خروج النساء في العزو للتمريض.. فكن يداوين الجرحى ويسقين العطشى.. وغير ذلك من المهامّ.

 

وبالتالي ثقافة الأربع جدران التي هبت رياحها علينا من الربع الخالي، من رؤوس فقهاء البدو كما قال الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، هي مفاهيم تخصهم هم، ولا تعنينا في شيء، وربما استدلوا بقول الله(وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) فظنوا أن المرأة يجب حبسها إلى الموت! وهذا سخف في العقل و قلة في الفهم ، فإن من وُجه لهن هذا الأمر ابتداء أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك خرجن في الحج والعمرة، بل حتى القتال كما خرجت السيدة عائشة يوم الجمل وقادت جيشا!

 

وعلى هذا فالمرأة تحتجب ولكن لا تعتزل الحياة العامة، لأنها مطالبة بالدراسة والتعلم، والتثقف، والتخرج وربما التوظف إذا دعت الحاجة إلى ذلك، أي إذا احتاجت إلى ذلك أو احتاج إليها المجتمع المسلم في انضباط، واحتشام. وهذا ليس مستحيلا!

 

ولا ينحصر دور المرأة في الإسلام على الطبخ والولادة والتربية فقط! بل لها أدوار أخرى تحتاج الأمة إليها شاء من شاء وأبى من أبى.

 

هذه سبعة أبعاد تتصل بالحجاب الشرعي لا ينبغي تجاهلها ولا التغافل عنها اذا أردنا الحديث في هذه المسألة.

 

والله ولي التوفيق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى