أقلام حرة

الشيخ يوسف الجريدي يكتب: الانقلاب الذي ولد ميّتا

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم،

لم تكن الليلة الفاصلة بين الجمعة 15 والسبت 16 يوليو 2016  ليلة عادية بالمرة فقد أقضّت مضجع العالم كله فقد وقع تداول أخبار مفادها وقوع انقلاب فاشل، والقبض على مديريه ومحاكمتهم.

لكن لا يمكن أن تمر هذه الحادثة هكذا، لان هدا الانقلاب لو توّج بالانتصار لكان الوضع اليوم مختلفا لأنه تبين بالكاشف أن العالم كله هدفه واحد، وهو محاربه الإسلام في أصوله ومسلماته ليبقى محصورا في عبادات وطقوس أغلبها بدع، لو انتصر هذا الانقلاب لكانت أول خطوة هي تسليم كل القيادات الإسلامية المصرية للسيسي لكي يذبحهم كما تذبح الخرفان.

لقد اعتلى رجب طيب اردوغان سده الحكم في تركيا من خلال منظومة الديمقراطية التي ترضاها أمريكا وأوروبا، ولكنهم في الحقيقة غير قابلين بتلك النتيجة، فهم ليسوا ضد الديمقراطية، ولكن يريدونها ديمقراطية على مقاس مصالحهم، فأمام مصالحهم الإستراتيجية كل شيء جائز، فعدو الأمس هو صديق اليوم، والعكس بالعكس صحيح، ببساطه إنها الرأسمالية المتوحشه.

لقد كنت من الذين عاشوا هذا الانقلاب من خلال مواكبة وسائل الإعلام المختلفة وصفحات التواصل الاجتماعي حتى ساعة متأخرة من الليل، استولى الجيش على مقر القناة الرسمية ليلقي البيان الانقلابي الأول، لكن خاب أملهم وانقلبت الموازين وثبت فشل انقلابهم بنسبة 95% و تأكد ان العديد من القنوات العربية والإخبارية خاصة تفتقد للحرفية والاستقلالية فأغلبها تعمل لحساب جهات و أشخاص معينين، والأدهى من ذلك من قام بإشاعة خبر إلقاء القبض على أردوغان، كما يوجد من أذاع خبر وفاته، وأن الجيش أحكم سلطته على البلاد وانتهى الأمر.

هللت دول الخليج العربي بالانقلاب ورحبوا به باستثناء قطر، واحتفل حكام مصر المغتصبون بانقلاب تركيا وهم يجهلون أنه ولد ميّتا وأقيمت الأفراح في ليل تونس الساكن بسقوط النظام في تركيا، وذلك بسبب بغضهم وحقدهم على حركة النهضة الإسلامية التي لها وزنها وثقلها والذي لا ينكره إلا منافق جاحد، وكان أول تصريح للولايات المتحدة الأمريكية في الساعات الأولى لوقوع الانقلاب العسكري على لسان وزير خارجيتها “جون كيري” قال: آمل في حل الأزمة والحفاظ على السلام واحترام استمرارية السلطة، معتبرا الانقلاب أزمة وقال احترام  استمرارية  السلطة، ولم يقل احترام استمرارية السلطة المنتخبة ديمقراطيا، ليأتي أوباما في اليوم الموالي وبعد فشل الانقلاب ويغرد على تويتر قائلا: على الجميع في تركيا احترام الحكومة المنتخبة ديمقراطيا.

في تلك اللحظات والأحداث تتسارع وأكثر وسائل الإعلام تنقل الأخبار الموهنة يخرج ذلك الرجل الذي من المفروض أن يبقى في السر”هاكان فيدان” رئيس مخابرات تركيا، أو كما يلقبونه “ثعلب تركيا” ليعلن وبكل ثقة في النفس أن الانقلاب تم إفشاله قبل6ساعات، أي في وقت قياسي، كما أضاف أنه سيحارب الخونة حتى الموت و طلب من اردوغان النزول للشارع إلى جانب الشعب، فتوجه رئيس تركيا مباشره بكلمة إلى شعبه لم تتجاوز الـ 20 ثانية عن طريق السكايب، بعد أن تم قطع بث التلفزيون الرسمي التركي، والهدف من كلمته دعوة شعبه لحماية مكتسبات الدولة ومؤسساتها.

في تلك الليلة نزل الشعب للشارع لمواجهة دبابات الانقلاب بصدور عارية منبطحين أمام الدبابات..

وانتهى الانقلاب بالفشل، مخلفا ورائه خسائر بشرية قتلى وجرحى وشهد عديد الاعتقالات في صفوف مديري الانقلاب ومؤيديه، وهنا أثبتت الطبقة المثقفة في تركيا والأحزاب وطنيتهم الفعلية، ووقفوا ضد الانقلاب متخلين عن ألوانهم وأيديولوجياتهم لأجل بلدهم، هذا الدرس الأول الذي كان على طبقة المثقفين في تونس أو طبقة نكبه تونس استيعابه لكن هيهات.

وأما الدرس الثاني فهو الفرق بين الشعبين التركي و التونسي، شعب تركيا صوت لاردوغان عن دراية و قناعة على أنه الرجل المناسب في المكان المناسب لبلدهم، وبمجرد الانقلاب عليه وقفوا صف واحد و يد واحدة ضد الانقلابيين، والعالم بأسره شاهد كيف أن الشعب سلّم الخونة من على دباباتهم إلى الأمنيين.. أما شعب تونس الغير واعي، في أواخر سنة 2011 ، وبعد أول انتخابات عرفتها البلاد منذ الاستقلال قام بانتخابات حركة النهضة وبأغلبية ساحقة والتي كانت لها أولوية لتشكيل أول حكومة بعد الثورة..

ثم ماذا بعد ذلك؟ بعد ذلك تجند جزء كبير من الشعب الغير واعي للاعتصامات وإغلاق الطرقات وتعطيل عجلة التنمية، وهو نفسه الذي قام بانتخاب حركة النهضة، وهذا ما يبيّن أن هذا الشعب لم ينضج و لم يصل بعد مرحلة النضج و الوعي التي حققها الشعب التركي. فاليوم يمر حول كامل على الانقلاب الفاشل في تركيا، ورئيسها يسهر على تسييرها بخطى ثابتة نحو الرقي و الازدهار في جميع المجالات. لكن وللأسف فإن الورم الخبيث ما يسمى بإسرائيل وبمساعدة من الرؤساء العرب الفاسدين يسعون وبكل الطرق لإضعاف تركيا وزعزعة أمنها واستقرارها، والهدف من وراء ذلك ما ذكرناه سالفا في مقالنا وهو محاربة الإسلام الحقيقي وحصره في طقوس واجترار لحركات متكررة دون وعي. فهم لا يريدون الإسلام الحقيقي الذي يعالج كل أمور الحياة المحورية.

وفي النهاية يمكن القول بأن الصراع بين الحق و الباطل هو صراع أزلي كان ولازال مستمرا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى