آراءمقالات

الشعب المختطف في الوطن المختطف

Latest posts by د. سيف عبد الفتاح (see all)

في صدر خطاب أحد المترشحين للانتخابات الرئاسية في مصر، خطب بالناس قائلا: “أيها الشعب السيد في الوطن السيد”، وخاطب آخر “بني وطنه”، وأكد ثالث على أن ترشحه يشكل “رمزا لثورة يناير”، والذكرى السابعة لثورة يناير تطل علينا في الغد القريب.. كل تلك الأمور إنما تشكل كلمات مفتاحية استطاع السيسي، بانقلابه وبحكمه الطاغي، أن يشكل انتهاكا لكل معانيها التي تتعلق بالشعب والوطن والثورة، وبتنا جميعا في مشهد خطير يعبر في حقيقة الأمر عن اختطاف السيسي وزبانيته وعصابته لشعب بأسره، ووطن بأكمله، يتصرف فيه كأنها ضيعته.. يملك الأرض ومن عليها، يحرك المسائل في كل وجهة تتعلق بالتفريط والتنازل، حتى أنه قام باختبارات قاسية لهذا الشعب حينما تنازل عن العرض والأرض، فماذا يمكن أن نقول، وماذا يمكن أن نفعل؟!

إن الموقف الذي يتعلق باعتبار الانتخابات الرئاسية فرصة سياسية؛ تعلق في حقيقة الأمر عند هذا الفريق بأن نخوض شكل انتخابات تحقق “انفراجة” للحركة والحراك السياسيين؛ لا نهتم فيها بالنتائج أكثر مما نهتم بفتح المجال السياسي بعد ان اغتُصب وجف، واستطاع السيسي بكل سياساته الدنيئة أن يوقف هذا المجال ويغتصب كل فاعلياته بترسانة من القوانين وتحت تهديد السلاح.. فأنت إما موالٍ له، وإما ارهابي ليس في المعادلة إلا أن تكون تحت التجريم والاتهام.

ولعل المشهد الذي يتعلق بإعلان حملة أحد المرشحين بأنه اختطف؛ إنما يعبر تعبيرا رمزيا عن أن شعبا بأسره صار تحت الاختطاف القسري

الشعب بأسره متهم حتى تثبت براءته، وبراءة هذا الشعب أن يظل قطيعا في حظيرته، وتحت تهديد صندوق ذخيرته. إنها في حقيقة الأمر معادلة الشعب العبد، لا مسألة الشعب السيد.. شعب مختطف تحت تهديد السلاح، ولعل المشهد الذي يتعلق بإعلان حملة أحد المرشحين بأنه اختطف؛ إنما يعبر تعبيرا رمزيا عن أن شعبا بأسره صار تحت الاختطاف القسري، يفعل فيه الطاغية ما شاء وأنى شاء، وعلى هذا الشعب فقط، وفق تصور المستبد لمعادلة السيد والعبد، أن يسير في قطعان راقصة إلى مذبح انتخاباته الرئاسية المزعوم.

وهنا قد تتوارد أنباء من هنا وهناك بأن مرشحا تحت الإقامة الجبرية، وآخر أعلن نفسه مترشحا فنصبت له المحاكمة العسكرية وصدر الحكم ضده، وآخر اختطف تمهيدا لمحاكمة عسكرية، وأخير يهدَد بألا ينسحب.. فحتى الانتخابات ستخاض بالإكراه، يختطف أحد المرشحين ليمنعه من دخول الانتخابات، ويضع آخر في سجن الإقامة الجبرية، ويطالب ثالثا بأن يكون “كومبارسا” في مسرحية الانتخابات رغم أنفه.. ولكنني أقول لذلك الأخير: عفوا أيها الرمز من ثورة يناير، ليس أمامك إلا الانسحاب من هذه الانتخابات القسرية التي كنت أسميها انتخابات هزلية؛ ولكنها لم تعد تمت حتى للهزل بصلة.

لعل الأنباء التي تتوارد بأن دبابات الجيش تنزل الآن إلى ميدان التحرير لتعلن احتلالها لهذا الوطن رمزيا وفعليا، وتؤكد أننا جميعا تحت سطوة الدبابة وصندوق الذخيرة

هي انتخابات قسرية، يريد المستبد أن يتولاها بانقلاب عسكري داعم لتوليه رئاسة مغتصبة ثانية تحت تهديد السلاح. ولعل الأنباء التي تتوارد بأن دبابات الجيش تنزل الآن إلى ميدان التحرير لتعلن احتلالها لهذا الوطن رمزيا وفعليا، وتؤكد أننا جميعا تحت سطوة الدبابة وصندوق الذخيرة. أما صندوق الانتخابات، فهو ليس إلا صندوقا مزيفا محفوفا بالرصاص وبكل أنواع الأسلحة، وإذا أردت أن تكمل المشهد، فَلْترَ تنفيذ حكم الإعدام في أحدهم، وتصفية خمسة من أبناء هذا الوطن تصفية جسدية، ليكتمل مشهد رمزي لاختطاف شعب ووطن.

على هذا الذي ترشح ألا يستمر، حتى ولو دخل السجن أو هُدد بكل أمر خطير أو كبير. عليه أن يرسم صورة الانتخابات القسرية كاملة ليكتمل مشهد الانتخابات!! نأسف أن نسميها كذلك.. الانتخابات القسرية تحت تهديد السلاح.. خير له أن يُعتقل أو يُسجن أو يُقتل على أن يستمر تحت إكراه في مأساة وكارثة انتخابات قسرية.

مقاطعة شاملة لمشهد الانتخابات القسرية؛ لنؤكد للجميع أن عموم الشعب صار رهينة لدى عصابة عسكرية تحمل السلاح وتروع عموم الناس، في مشهد قادم تسميه انتخابات

نقول لهذا الوطن الذي اختطف بجملته، ولهذا الشعب الذي اعتقل بأسره واعتقلت إرادته: حتى لو دفع هذا الطاغية البعض إلى حافة المسرح للقيام بالتطبيل والتهريج، أيضا بصورة قسرية، فهم لا يملكون من أمرهم شيئا، ولكنهم يقومون بدور المهرجين في مسرحية الطاغية.

وهنا وجب علينا أن نؤكد على أمرين:

الأول:

مقاطعة شاملة لمشهد الانتخابات القسرية؛ لنؤكد للجميع أن عموم الشعب صار رهينة لدى عصابة عسكرية تحمل السلاح وتروع عموم الناس، في مشهد قادم تسميه انتخابات، وما هو كذلك، إنه مشهد – كما أكدنا – الانتخابات القسرية. وهنا، إذ نؤكد على أن تلك المقاطعة إنما تعبر عن السلاح الأساسي في هذا المقام، فإنه يجب أن تكون واحدة من أهم الخطوات التي يتدرب عليها هذا الشعب، تحت الاحتلال والخطف، على أساليب من العصيان المدني الذي يتراكم، ليؤكد كل هؤلاء أنهم تحت الخطف في سجن مصر المحروسة، وأن هؤلاء الذين اختطفوا هذا الوطن إنما يقومون بكل ما من شأنه ترويع أبنائه وتفزيع فئاته وتجويعهم، ومحاولة تطبيع كاملة ليسوق الناس إلى ميدان الخيانة في التطبيع من الكيان الصهيوني، والتطويع ضمن ميادينه الاستبدادية العاتية.

الأمر الثاني:

إن هؤلاء الذين يقطنون في الخارج، وقد قالوا يوما إنهم خرجوا حتى يستكملوا ثورتهم وخرجوا حتى يمتلكوا حريتهم، عليهم أن يقوموا بكل عمل فعاّل لفضح منظومة السيسي المفضوحة؛ التي تحاول من كل طريق أن تجعل الوطن كله محبسا، والشعب بأسره رهينة. إن سياسات فضح النظام إنما تشكل سياسات الحد الأدنى، وأضعف الإيمان الذي يجب أن يقوم به الجميع. لم يعد هناك مجال لـ”فرجة” ولا لـ”كنبة”، ولا لكل هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون الأمن والاستقرار.

لا بد أن نتحدث عن هؤلاء الذين تسببوا وساندوا دعم هذا الطاغية، إقليميا ودوليا، فاحتل هؤلاء بعض من أرض الوطن، تنازلا أو شراء، ويجعلون من هذا “العصبجي الخائن” مفروضا على الشعب وهذا الوطن

أيها الشعب المختطف.. عليك أن تفك أسرك، وتنقذ وطنك، وتعبر عن كل أمر يتعلق بمصيرك ومستقبلك، ذلك أن الطاغية رئيس عصابة الإفك والبطش، فهو لا يستحق إلا مواجهة عاتية تدفع ظلمه.. كلكم تحت الاختطاف، وكلكم رهائن. فإن كان هؤلاء قلة، فلا يمكنهم أن يهيمنوا على شعب بأسره، وإن هذا السلاح الذي اشتريناه من عرق هذا الشعب ويوجه إلى صدورنا؛ إنما يشكل جريمة متكاملة في حق هذا الشعب.. حينما يختطف كل مؤسسات الوطن، تشريعا وقضاء، وحتى تلك المؤسسة العسكرية، ومؤسسات أمنية وشرطية، لتكون كأدوات استعمالية يستخدمها النظام ضمن أساليب وأدوات النظام القمعي.

وفي النهاية، لا بد أن نتحدث عن هؤلاء الذين تسببوا وساندوا دعم هذا الطاغية، إقليميا ودوليا، فاحتل هؤلاء بعض من أرض الوطن، تنازلا أو شراء، ويجعلون من هذا “العصبجي الخائن” مفروضا على الشعب وهذا الوطن.. نؤكد لهم أن هذا الشعب الصابر يولد من بطنه شعب ثائر، سيؤكد لهؤلاء المعتقدين بحماية عروشهم أن تلك العروش ستزلزل وتنتقض من أساسها، وأن هؤلاء الذين ثبتوا رئيس العصابة، تارة بدعمه وتارة بالسكوت المخزي، بعد أن ظلوا يقدمون للعالم دروسا في الديمقراطية وحقوق الانسان وقد صمتوا عن اختطاف شعب بأسره واختطاف وطن بأكمله.. إنهم لن يسلموا من ثورة الشعوب حينما تضيق بهم السبل، وحينما تُسد كل الطرق والمسالك.. أيها الشعب المختطف في الوطن المختطف: أما آن تكون الشعب السيد في الوطن السيد؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى