آراءبحوث ودراسات

محمد فتحي النادي يكتب: الشبك بالعراق.. غموض القومية والمذهب

Latest posts by محمد فتحي النادي (see all)

إن بلداننا تعجّ بالقوميات والمذاهب والأديان التي تعيش جنبًا إلى جنب مع العرب والإسلام.

وفي مناطق التماس تجد بوضوح هذا التنوع العرقي والمذهبي.

وفي مرحلة السيولة التي تمر بها المنطقة يحاول الجميع الإعلان عن هويتهم، وإيجاد موطئ قدم لها في الخريطة السياسية الفاعلة.

والعراق بلد يزخر بالقوميات والمذاهب والأديان، ولم تكن بهذا الوضوح والإعلان من قبل؛ لطبيعة النظام البعثي بقوته وسيطرته وإحكامه وفرض رؤيته وأفكاره على عموم الشعب العراقي.

والعراق هو المدخل الشمالي الشرقي للمنطقة العربية، وهذا الموقع جعله ممرًا ومستقرًا للكثير من العرقيات والقوميات والأجناس.

ومن القوميات التي انكشف عنها الغطاء (الشبك)، والتي اختلفت الأقوال في أصولها ومذهبها.

هل هي قومية قائمة برأسها مثلها مثل العرب والكرد والفرس والترك؟

أم هي تنتمي لقومية معينة؟

أم هي أخلاط من عدة قوميات انصهرت مع بعضها وأخرجت هذا النسيج الاجتماعي المسمى بـ (الشبك)؟

وهل هم مسلمون أم ديانة أخرى؟

وإن كانوا مسلمين فهل هم سنة أم شيعة أم من الغلاة؟

لك أن تتخيل أن (الشبك) هؤلاء اختلفت فيهم الأقوال، والاختلاف ليس نابعًا فقط من الباحثين غير المنتمين لهم، بل إن المنتمين لهم قد اختلفوا في تحديد العرق والجنس، مع غموض شديد في المذهب الديني.

والشبك مجموعة سكانية تقطن في أكثر من 70 قرية منتشرة في مناطق متنوعة في شمال العراق، في محافظة نينوى (سهل نينوى) بين إقليم كردستان ومدينة الموصل مركز محافظة نينوى، وأربيل والسليمانية.

“ويعتبر هذا السهل الموطن التاريخي لمعظم الأقليات في العراق: الآشوريون، الكلدان، الأيزيديون، اليهود (قبل رحيلهم)، الكاكائيون، الشبك، وغيرهم”(1).

ويكثر وجود الشبك في شمال العراق، ويقل نزولاً حتى بغداد، وينعدم في الجنوب.

وقد “أشارت الوثائق العثمانية إليهم كجماعة مستقلة منذ القرن السادس عشر الميلادي.

وورد ذكرهم في دائرة المعارف البريطانية والإسلامية”(2).

وفي العهد الملكي عام 1952م قد تم الاعتراف بهم كقومية (إثنية) متميزة مستقلة(3).

وفي الإحصاء الرسمي لسنة 1977 اعتبرتهم الدولة من العرب.

وفي الثمانينيات كان هذا الخيار إما الانتساب للعرب أو للأكراد فقط لا غير.

وبعد انفراط عقد العراق والنظام البعثي الحاكم بالغزو الأمريكي أصبحت معظم قرى الشبك تحت سيطرة قوات البشمركة الكردية.

وأصبح لهم ممثل في البرلمان العراقي، وأسسوا تجمع الشبك الديمقراطي، وأمينه العام هو الدكتور حنين القدو، وهو عضو البرلمان العراقي ضمن قائمة الائتلاف العراقي الموحد، ورئيس مجلس الأقليات العراقية، وممثل الشبك الوحيد في الجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة.

وبعد سقوط الموصل في يونيو 2014م بيد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية ترك معظم السكان قراهم خوفًا من بطش المسلحين، والتجأوا إلى مناطق أكثر أمنًا تسيطر عليها البيشمركة الكردية، وانضموا إلى الحشد الشعبي.

 وبالنسبة لأصولهم فإن زهير كاظم عبّود يقول: “خلاصة البحث أن الشبك الذين امتزجوا من عشائر: كردية وعربية وتركمانية وفارسية بنسب متفاوته، شكلوا هذا المجتمع الخليط من هذه العشائر، فتجد بينهم من ينتسب إلى عشائر طي والجبور وجحيش العربية.

 كما تجد منهم من ينتسب لعشيرة البيات التركمانية، وإلى عشيرة الباجلان والزنكنة والزازا والداوودي وروزبياني الكردية.

 وكل عشيرة من هذه العشائر تعتز بانتسابها وأصلها، غير أنها تعتز بانتسابها للشبك”(4).

 أما لغتهم فإن الغالبية منهم تتحدث بالشبكية الباجلانية القريبة من اللهجة الكورانية، إحدى اللهجات الكردية الأربع، وهذه اللهجة تزخر بالألفاظ العربية والتركية والفارسية.

 أما مذهبهم الديني فإنه يكتنفه الغموض؛ لذا فإن الباحثين قد اختلفوا في إسلامهم من عدمه، فبعضهم جعلهم يعتنقون ديانة مستقلة لها جذورها:

 الأيزيدية؛ إذ إن ملابس بعضهم لا تختلف عن زي الأيزيدية.

 أو الزرادشتية كـ: تقديس الأشجار والاحترام العميق للموتى، والأحتفال بأعياد النيروز ورأس السنة الشرقية.

 أو أنهم من الغلاة في الإمام علي الذين ينزلونه منزلة الإله.

 أو أنهم من الباطنية الذين يرون للقرآن ظاهرًا وباطنًا، ويتحللون من الشريعة فلا يحرمون الخمر، ولا يصلون ولا يصومون، بل يعتقدون بالتناسخ.

 وأنهم يمارسون الاعتراف بين يدي البيرات ومفردها (البير)، أي: الزعيم الديني، كما يفعل المسيحيون بين يدي القسس.

 وأنهم يعتقدون بحلول الذات الإلهية في البشر.

 وهناك من لم يخرجهم من الإسلام، سواء أكانوا شيعة أم سنة(5).

 لكن غالب الباحثين يذكرون أن غالبية الشبك -نحو (70%)- شيعة إمامية اثنا عشرية، والباقي منهم من أهل السنة على المذهب الحنفي الشافعي.

 وقد تأثر بعضهم بالطرق الصوفية المختلفة، ومنها الطريقة البكتاشية، التي هي مزيج من التصوف والتشيع.

 ولهم كتاب للتعاليم له شأن عندهم مكتوب باللغة التركية القديمة يسمى (البويوروق) أو المناقب يحتوي على حوار في آداب الطريقة بين الشيخ صدر الدين وبين قطب العارفين الشيخ صفي الدين إسحاق الأردبيلي الزاهد مؤسس الطريقة الصفوية والمتوفى سنة 1329م.

 وفيه -أيضًا- وصف عام لصفات المرشد وسلوك الطالب، ودرجات الأولياء وصفاتهم، وتجنب مخالطة أعداء الطريقة الصوفية، وكيفية المحبة بين الطلاب أنفسهم، وكتم العقيدة عن منكرها أو معاديها أو عن المنافقين، والتولي والتبري.

 ولهم كتاب آخر يسمى الكلبنك أو كلبند، والكلمة مركبة من كلمتين (كل)، أي: زهر، و(بنك)، أي: صوت من الفارسية، وهي القصائد التي نظمها شعراء الشبك وشيوخهم باللغة التركمانية الجفكائية في مدح آل البيت.

 والملاحظ أن العجم يكثر فيهم الغلو والشطح؛ لبعدهم عن فهم اللغة العربية فهمًا جيدًا يمكنهم من الوقوف على المعاني الشرعية وقوفًا صحيحًا.

 والشبك ليسوا بدعًا في ذلك.

 والشبك مجموعة مختلفة مذهبيًّا عن التيار العام السني السائد في شمال العراق؛ إذ إن الشيعة مركز ثقلهم في الجنوب، وأهل السنة يتركزون في الوسط والشمال.

 لذا كانت التقية والكتمان والغموض مذهب الشبك الذي يستطيعون من خلاله مقاومة السلطات، والعيش بسلام بين أهل السنة.

 الهوامش

 (1) خالد الغالي: شبك العراق.. مسلمون أم ديانة خاصة؟ موقع ارفع صوتك.

 (2) زهير كاظم عبود: الشبك في العراق، ص(45).

 (3) المذكرة رقم 541 في عام 1952.

 (4) الشبك في العراق، ص(38).

 (5) انظر: الشبك في العراق، موقع حكومة إقليم كوردستان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى