آراءمقالات

السيرك.. والتسريبات

Latest posts by صفوت بركات (see all)

إذا أردت أن تروض حيوان برى، أو وحش، فما عليك إلا إيذائه ثم منعه من القدرة عن الرد وذلك بتضييق مساحة الحركة، مثلا، أو بتقيده.. فكل فعل له مقتضى لازم يفصل بين الفعل ولازمه زمن يألفه الحيوان ويعتاده ويتطبع بالطبع السلبي كلما تكرر فعله.

التسريبات والسخرية والشعب المصري

التسريبات فعل، أو حدث له وظائف وغايات؛ عزل الفعل والحدث عن مقتضياته زمنيا والتي لا تنفك عنه في قانون العقل الفطري والإنساني.

اعتداء صارخ على العقل والقيم والفطرة والسوية والجبلية وهو ما درجت عليه العقلية الاستبدادية لتأطير الجماهير وتدجينها وترويضها.. وهو أحد أدوات ووسائل ترويض الحيوانات البرية والوحشية، ويستخدم في أكاديميات علم الحيوان.. وبإطلالة على علوم السيرك وفنونه تستطيع أن تتعلم سياسة المستبد بالشعوب، وتغيير طبائعها.

وهذا يرجع لطبائع الشعوب وخصائصها؛ ومن خصائص الشعوب التي تقبع تحت الاستبداد ردحا طويلا من الزمن أنها تستجيب وتتلذذ بالتعذيب والقهر.. وبدلا من مواجهته والثورة ضده فهي تسخر منه، لأنه أصدق في التعبير عن نفسها ممن يريد لها الثورة والمقاومة.

ومرجع ذلك أنها أهدرت بفعل المكث الطويل ملكات فى العقل، ووظائف الاستثارة الإيجابية وتفعل بديلا عنها ملكات الرق والعبودية وتنتكس الفطرة ويصبح التعبير الإيجابي لتلك الطبائع هو السخرية والاستغراق فيها.

ولهذه التسريبات، بجرعات معينة، وتوقيتات محددة؛ وظائف، وخلفها علماء الأنثربيولوجى وعلماء النفس والاجتماع السياسي. ويتلقفها الموتورين وأهل الأرجاف ويحسبون أنها من عوامل حشد الجماهير وتحريكهم، ولكنها بحسب توقيتها وتحديد جرعاتها تعمل عكس مرادهم لأنها من نفس جنس ما يلاقيه الشعب ولا تناقضه، بل تتماشى مع الواقع وأقل حدة وأثرًا من إهراق الدماء بغزارة، وبصور متعددة، وصدور أحكام من جنس التسريبات، أو أشد منها مما يجعل طبقات من المجتمع تقبع وتتمدد داخل نفسها وهو انكماش ذاتي.. وتزيد من الاسترقاق والعبودية والخضوع والاستسلام والتلذذ بالقهر.

وهناك شيء اسمه ميكانزم العقل الجمعي واستبدال البديهي العقلي الفطري وتحديد حدوده ببديهي غير طبيعي قسرا، وهناك قدر من كل معلومة مركبة من جمل أو تفاصيل تترسب في الوعي، ومن ثم في اللا وعى.. والتي تصبح قانونًا للعقل وحدود له ومعيار للحكم على الأشياء كبديهي عقلي..

وتنسى التفاصيل أو تهمل أو تصبح هامشية ولا قيمة لها، وهذا هو مكمن الخطر في التسريبات؛ وهو بمثابة سياط للجلاد يحشر الناس داخل أنفسهم، وهكذا كل معاني تهدر القيم وتشكل عدوانًا عليها، ما لم يكن لها رد فعل مكافئ، عدوان على الفطرة الإنسانية وهى معول هدم وانتكاس لها، وتأطيرها كما تؤطر وتروض الحيوانات البرية والمتوحشة.

وهذه من أخطر وظائف السينما والإعلام في تغيير الأعراف والعادات والعقائد وإعادة تشكيل المجتمعات وتحطيم المقدس أي مقدس سواء كان مقدس حق أو باطل واستبدال القيم بقيم أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى