آراءمقالات

السيرة العطرة للقدوة عبد الحسيب الخنانى

ممدوح الولى
Latest posts by ممدوح الولى (see all)

{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي}

امتدت علاقتي بالفقيد الشاعر الكبير عبد الحسيب الخنانى أكثر من 35 عاما، خلال مشوارنا الصحفي رغم اختلاف التخصص المهني، حيث جمعنا مسجد الجريدة من خلال مواظبته لا أقول على صلاة الجماعة، ولكن على  التبكير بالحضور استعدادا لصلاة الجماعة.

عبد الحسيب الخنانى
عبد الحسيب الخنانى

وخلال تلك السنوات كان قدوة لنا في سلوكه المتفرد الذي يذكرنا بسلوك التابعين بلا مبالغة، من خلال التزامه العملي بتعاليم الدين في حسن المعاملة، وبشاشة الوجه وأدب الحديث مع كل من يتعامل معه صحفيا أو غير صحفي أو عاملا بسيطا.

ولم يكن الأمر من جانبه قاصرا على حرصه على أن يكون على وضوء دائما، أو مواظبا على صيام يومي الإثنين والخميس رغم جراحات القلب الدقيقة التي أجراها، أو أداء العُمرة بين الحين والآخر رغم ظروفه المادية العادية، لكنه كان على يقين أكثر منا بأن  هناك رزقا وبركة ستلي أداء العمرة.

وأشهد الله أنه رغم محبتنا وصلتنا في الله الممتدة لسنوات طويلة، أنه لم يطلب لنفسه شيئا خلال فترة مسئوليتي عن المؤسسة الصحفية التي عملنا بها معا.

وها هو قد رحل عن دنيانا ولم يمتلك سيارة خاصة يوما ما، راضيا باستخدام المواصلات العامة والميكروباصات، التي ينتقل بها إلى سكنه البسيط بأدغال شبرا الخيمة.

وهو الشاعر ذو المكانة الأدبية بين أقرانه، والتي تشهد عليها مشاركاته في المنتديات الشعرية، وعندما دعوناه للتخلي عن لغته الفصحى الرصينة في شعره، حتى يكون ذلك مناسبا للمغنين للمزيد من الشهرة والمال، خاصة مع تنوع مجالات شعره ما بين الاجتماعي والعاطفي والسياسي والديني، كان رده الدائم: لن أتخلى عن أسلوبي من أجل شهرة أو مال.

ورغم حفظه لكتاب الله منذ صغره وتخرجه من الأزهر، كان يتمنع عن التقدم للإمامة لنا في الصلاة، بمبرر أن صاحب المكان -المكتب-  أولى بالإمامة.

كان قانعا بما رزقه الله، معتبرا أن المال هو أحد  أشكال الرزق وليس كل أشكاله، ساعيا لتحسين دخله من خلال المكافأة البسيطة التي يحصل عليها من خلال عمله الإضافي براديو المؤسسة الصحفية، نظرا لتمكنه اللغوي كتابة وتحدثا، بالإضافة لخط كتابته المميز نسخا ورقعة وغير ذلك من أنواع الخطوط.

وكان من أصحاب الكرامات، فكم رأى رؤية صادقة لزميل له أخبره من خلالها أنه سيكون في منصب معين، وهو ما كان يتحقق، حتى أن كل أبناءه جاءوا بعد رؤية خاصة لكل منهم مُحددا بها اسمه، وعندما أخبر زوجته أنهما سيرزقان بمصطفى، وثبت الحمل بعدها وقالت الطبيبة بعد أسابيع أن الجهاز الطبي يشير إلى كون المولود أنثى، قال لزوجته بيقين: الرؤية تقول إنه مصطفى، وبالفعل كان المولود مصطفى!

كنت أفخر دائما أنني من زمرة أصحابه، وأتحدث عنه بين معارفي وأقاربي وأبنائي، بأن هناك شخصا في هذا الزمان لا يرد على الإساءة بالإساءة وإنما بالحكمة والسلوك المنضبط، وأن مجلسه مهما طال وقته يخلو من الغيبة والنميمة،

ويزخر بالموعظة والتذكرة والسلوكيات الرفيعة، فعندما يحضر شخص ما للمكان الذي نجلس فيه، يترك له مقعده مرحبا به في بشاشه مستأذنا في إكرامه بالمشروب الذي يفضله، أو ينسحب بهدوء ليتفق بعيدا عنا على غداء لجميع الحضور.

مواقف عديدة من الصعب سردها تشير إلى تفرده، منها عندما كانت ظروف زحام الطريق أو عطل السيارة تمنعني من الوفاء بموعد محدد، مع أحد الضيوف القادمين لي بالمؤسسة الصحفية، وأتصل به طالبا منه استقبال الضيف حتى أصل،

وفى ظني أن الأمر لن يكلفه أكثر من ثمن الشاي، لكنني عندما أصل أعرف من الضيف أن الضيافة شملت تناول الغداء والمشروبات وإهداء بعض الكتب، دون أن يفصح هو عن شيء من ذلك.

وأقولها بصدق أنه طوال سنوات علاقتنا لم أسمع أنه أساء إلى شخص ما ، بل كان يترك أثرا طيبا لدى كل من تعامل معه، وكانت دموعه تسبقه بالمواقف الإنسانية عندما لا يستطيع التحكم فى مشاعره ، ولا عجب في ذلك  فهو الشاعر رقيق المشاعر .

نشهد الله أنه كان نعم الأخ في وفائه وعطائه المادي والإنساني، واتصاله المستمر للاطمئنان على الأحوال والدعاء لنا، ونسأل الله أن يجزيه عنا خير الجزاء عن كل ما تعلمناه منه قولا وعملا ، وعن كل تخفيف من همومنا كان ساعيا في تحقيقه ، إلى أن نلحق به .

اللهم آمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى