بحوث ودراسات

السيد أبو داود يكتب: محطات صراعنا مع الروم الغربيين

Latest posts by السيد أبو داود (see all)

نحن أمة لا تموت .. إنها فقط الغيبوبة

قصة صدام المسلمين مع إمبراطوريتي فارس والروم، هي ملخص لقصة حياتهم وللتحديات التي واجهوها في أول أمرهم ثم استمرت معهم طوال حياتهم وحتى اليوم.

وإذا كنا قد تناولنا في المقال السابق انبعاث الإمبراطورية الفارسية مرة أخرى وتهديدها الجدي للمسلمين السنة منذ عام ١٩٧٩م، وما تفرضه عليهم من تحديات.

فإننا في هذه السطور نستعرض بإيجاز شديد تاريخ الصراع بين الإسلام والروم الغربيين، الذين هم الآن أوروبا وأمريكا.

بدأت المرحلة الأولى من الصدام الإسلامي الرومي، مع البدايات الأولى للرسالة الإسلامية، بعد معركتي مؤتة وتبوك.. في وجود رسول الإسلام، صلى الله عليه وسلم، ثم من خلال معركتي اليرموك وأجنادين، في عهد أبي بكر الصديق، ثم تساقطت عواصم الشام الرومية القدس ودمشق وأنطاكية، وكلها بلاد غير رومية وإنما كانت تحت الاحتلال الرومي، فحررها المسلمون من هذا الاحتلال.. واستمر الصراع في عهد عمر بن الخطاب، فخسر الروم مستعمراتهم في مصر وشمال إفريقيا.. وفي عهد عثمان بن عفان خسروا جزرًا في البحر المتوسط أهمها جزيرة قبرص.. وتوقفت الفتوحات خلال الفتنة والخلاف بين المسلمين، فلما اجتمعت كلمتهم مع بداية الدولة الأموية، حدثت نقلة عظيمة على جبهة الجهاد ضد الروم، ففتح المسلمون عددًا من الجزر أهمها رودس وصقلية وهددوا جزيرة كريت، وهددوا القسطنطينية نفسها وحاصروها لسبع سنوات متتالية.

في عهد الوليد بن عبد الملك الأموي؛ فتح المسلمون الأندلس وتوغلوا في جنوب فرنسا.

وهكذا كانت المرحلة الأولى من هذا الصراع والتي تزيد عن أربعة قرون، مرحلة الانتصار الساحق للإسلام والمسلمين والتراجع والهزائم المتوالية للروم الغربيين .. (مع الاستعانة في هذه الرؤية بخلاصة ما ذهب إليه العلامة محمود شاكر والمؤرخ محمد إلهامي).

لكن ضعفت الدولة الأموية فضعفت الفتوحات وهدأ الصراع، ثم سقطت الدولة الأموية، وجاءت الدولة العباسية، فظل التفوق الإسلامي طوال العصر العباسي الأول، وأوائل العصر العباسي الثاني.

مع توسع رقعة العالم الإسلامي وتعدد الدول المستقلة عن الدولة العباسية (مع استمرار الولاء لها)، قامت دول عديدة منها بواجب الجهاد ضد الروم الغربيين، وظل الصراع مشتعلاُ حتى بدأ الضعف يسري تدريجيًا في جسد الدولة العباسية، فحدث نوع من التكافؤ والندية في الصراع، وانكسرت موجة السيادة الإسلامية وأصبح الروم يصيبون من المسلمين ويغيرون عليهم وينتقصون ما في حوزتهم، بل ويستولون على أجزاء مهمة من بلاد الشام، حتى أذن الله بقيام الدولة السلجوقية، فأعادت التوازن للصراع واكتسحت الوجود الرومي الغربي في بلاد المسلمين، وكانت موقعة «ملاذ كرد» التي لن ينساها التاريخ ولن ينساها الروم الغربيون، وحقق السلاجقة أمجادًا عظيمة للمسلمين واتسعت رقعة الدولة الإسلامية بشكل غير مسبوق.

وبما أن دول المسلمين المتتالية كانت تقوم شابة قوية ثم تضعف تدريجيًا، لذا ضعف السلاجقة، وقويت شوكة الروم، وتغيرت موازين الصراع بشكل جوهري.

قبل نهاية القرن الخامس الهجري بقليل وفي عام ٤٩٠ هجرية/ ١٠٩٦ ميلادية، أي بعد خمسمائة سنة من الصراع والذي كانت فيه الغلبة والسيادة للإسلام والمسلمين، بدأت الحروب الصليبية التي استمرت قرنين من الزمان .. ورغم أنها كانت مؤلمة ومحزنة وثقيلة على المسلمين، إلا إنها أكدت على معنى شديد الخطورة والأهمية وهو قدرة الأمة الإسلامية على العودة من بعيد والإفاقة بعد غيبوبة وضعف .. فتم دحر الصليبيين وتحرير بلاد المسلمين.

مع نهاية الحروب الصليبية تغيرت معادلة الصراع واتخذ الروم قرارًا بعدم الدخول في صراع مسلح ومباشر مع المسلمين في الآجال القريبة والمتوسطة وحتى تتغير الأحوال داخل بلاد المسلمين، مع اعتماد سياسة الغزو الفكري والتسلل غير المباشر والتخفي والتجسس والتنصت واتباع كل ما من شأنه إضعاف المسلمين من الداخل إضعافًا ذاتيًا.

إذا كانت القرون الخمسة الأولى كانت فيها الهزيمة ساحقة للروم والسيادة كاملة للمسلمين، ثم جاء قرنا الحروب الصليبية اللذان بدءا بهزيمة مدوية للمسلمين وانتهيا بإزالة أسباب هذه الهزيمة واندحار العدوان الرومي، جاءت مرحلة جديدة من الصراع لم تكن فيها السيادة لأحد طرفي الصراع، وانتهت بالتعادل، فقد استطاع المسلمون فتح القسطنطينية وإزالة الإمبراطورية البيزنطية من الوجود،  بعد تسعة قرون من الصراع المستمر، وسيطر المسلمون على أجزاء من أوروبا، بينما استطاع الروم الغربيون استرداد الأندلس وانتزاعها من أيدي المسلمين وهددوا السواحل المغربية وشمال إفريقيا.

ضمن سياسة الروم الغربيين بعدم مجاراة المسلمين في الصراع العسكري واتباع الوسائل الالتفافية معهم، بدأت مرحلة الكشوف الجغرافية واكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح وتغيير طرق التجارة التي كانت في يد المسلمين، وكان الغرض منها هو الالتفاف حول العالم الإسلامي وتطويقه واكتشاف نقاط الضعف فيه ولف الحبل حول عنقه حتى يأتي أوان شد هذا الحبل والخنق.. وقد اكتفوا في هذه المرحلة باحتلال السواحل الغربية لإفريقيا ومناطق واسعة على أطراف العالم الإسلامي.

وإذا كانت دولة المماليك قد وقفت لأكثر من قرنين ونصف من الزمان حائطًا منيعًا لصد الغزوة الرومية الغربية على العالم الإسلامي وخاصة عبر البحار، فقد كانت الدولة العثمانية التي استمرت لأكثر من ستة قرون من أعظم من جاهد الروم الغربيين بل وتوغلت داخل القارة الأوروبية نفسها لقرون طويلة وكانت لها السيادة على أوروبا، وفوق ذلك خاضت حروبًا واسعة في البحار، ضد أساطيل الروم الأوروبية، وامتدت هذه الحروب في البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي.

مع ضعف الدولة العثمانية وتراخي سيطرتها وعدم قدرتها على حماية البلاد الإسلامية، بدأ الالتفاف الرومي الأوروبي عليها تدريجيًا.. ولما تيقنوا من ضعف المسلمين الشديد وعدم قدرتهم على المقاومة.. ومع وصول الروم الأوروبيين لعصر البخار والثورة الصناعية والتقدم الكاسح على المسلمين في مجال الأسلحة، بدأت مرحلة شد الحبل وغيّر القوم إستراتيجيتهم الناعمة المتخفية المتسللة إلى العدوان السافر والاحتلال المباشر، وبدأت موجة الاستعمار الحديث باحتلال الجزائر عام ١٨٣٠م، ثم توالى احتلال البلاد العربية والإسلامية، واستمر ذلك طيلة ما يقرب من مائة وأربعين سنة.

وهكذا.. فطيلة تاريخنا الإسلامي، كان الصراع سجالاً، وكان في أغلب فتراته لصالح المسلمين، وإذا كان الروم قد كسبوا الجولة الأخيرة من الصراع منذ إسقاطهم لدولة الخلافة العثمانية، فإن التاريخ لم ينته بعد ومازالت الحياة الدنيا مستمرة، ومازالت هناك جولات أخرى لم تأت بعد.. والغرض من هذا المقال هو ألا يتسلل اليأس إلى نفوسنا ـ وخاصة الشباب وصغار السن منا ـ فلو خلصت النوايا فإن عشرين أو ثلاثين أو أربعين عامًا من الإخلاص والعمل والإفاقة من الغيبوبة التي يعيش فيها المسلمون، كافية بأن تغير معادلات الصراع بيننا وبين الروم الغربيين.. وهم يدركون ذلك، ولهذا فإنهم حريصون على أن نظل في الغيبوبة ولا نفيق منها.

بقيت الحلقة الأحدث من الصراع الإسلامي الرومي الغربي، والتي بدأت عام ١٩٠٧م ومازلنا نعيشها حتى الآن.. وسوف نناقشها في المقال القادم -إن شاء الله- ونشرح ماذا يعني عام ١٩٠٧م في هذا الصراع الممتد؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى