آراءمقالات

حضارتنا إبداع.. لكن الحاقدين يتهموننا بالحفظ والاتباع!!

السيد أبو داود
Latest posts by السيد أبو داود (see all)

كتبت مقالاً من قبل بعنوان “المسلمون.. بين الحفظ والإبداع”، وفي هذا المقال نكمل ما بدأناه من تفنيد اتهامات أعداء الإسلام للمسلمين بأنهم حفاظ وليسوا مبدعين.

 

التعليم في الإسلام يدفع المتعلم إلى الإبداع والاختراع والابتكار،

والنصوص الإسلامية كلها دعوة إلى التأمل والنظر واستخدام العقل وذم التقليد والمقلدين،

ودعوة إلى التعلم والتفقه، وهي دعوة إلى التأويل والتفسير.

والتأويل في الإسلام متعدد الرؤى والنظر نتيجة لاختلاف التفكير والفهم في الإطار الإسلامي.

 

إن تفسير النصوص في هذا الإطار، وفي إطار أن الإنسان مسؤول عن عمارة الكون وعبادة الله،

وأنه يجمع بين خيري الدنيا والآخرة، هو الذي حكم المسلمين رغم اختلاف الزمان والمكان،

فكيف يكون الإنسان المفكر الذي يعمل لدنياه وأخراه إنسانًا آليًا مبرمجًا؟

 

تفسيرات مختلفة للقرآن

 

إن لدينا تفسيرات مختلفة للقرآن عبر العصور وليست كلها نسخًا متطابقة،

وإنما هي فهم متعدد للنصوص، وإضافات تتفق مع سعادة ومستقبل الإنسانية،

فهل العقليات التي فعلت ذلك عقليات آلية ومبرمجة أم عقليات حية مبدعة؟

 

إن معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والخاص والعام والمطلق والمقيد والمحكم والمتشابه وفهم الأحاديث النبوية التي هي بمثابة المذكرة التفسيرية للقرآن الكريم،

وربط هذه الأحاديث بالقرآن، كل ذلك يشكل فهمًا وإبداعًا، ولا يستطيع العقل الجامد أن يقوم بهذه المهمة.

 

إن الإنسان مسئول عن تصرفاته وأفعاله أمام الله، فكيف يكون هذا الإنسان المسؤول المكلف إنسانًا لا يفكر؟

 

إن الإسلام يدعونا إلى الاجتهاد وإعمال العقل ففي الحديث النبوي (من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر)..

والمسلمون الذين تفوقوا في العلوم والآداب دليل على العقلية المسلمة وبراعتها في التفكير والتدبر.

أليست العمارة الإسلامية والهندسة الإسلامية وفن المعاملات التجارية تدل على تفكير عميق وإعمال كامل للعقل؟

 

مخاطبة القوى المفكرة

 

إن الإسلام يدعو إلى تغيير الذهنية ويخاطب القوى المفكرة لا القوى الحافظة،

كما أن حفظ المسلمين لكتاب الله وللأحاديث النبوية لا يتناقض أبدًا مع قدرتهم على التفكير وإعمال العقل والربط بين النصوص والاستنباط.

أليست المذاهب الإسلامية الفقهية بما تحتويه من مناهج استنباط ومسائل رياضية كلها تفكير وفهم عميق وتدبر؟

 

إن الكثيرين من أئمة الإسلام المجددين كانوا دائمًا يحاربون التقليد الأعمى،

الذي هو تقليد المذاهب وتقليد المجتهدين بدون إعمال للنظر والعقل وبدون استقلالية في النظر،

وحتى العلماء المعاصرون المجددون كثيرًا ما يوجهون الأنظار إلى عدم التقليد الأعمى.

وهكذا فإن الإسلام كله مقاومة للتقليد الأعمى بدون إعمال النظر والتدبر.

 

والعلماء المسلمون كثيرًا ما انتقدوا الصوفية الذين يتبعون شيخًا معينًا ويقلدونه دون التبصر بحاله،

والتقليد مذموم طالما جاء من إنسان قادر على التفكير وإعمال العقل،

أما عوام الناس الذين ليست لديهم القدرة على التفكير والنظر فلا لوم عليهم طالما كانوا يتتبعون مذهبًا محترمًا أو عالمًا ثقة.

 

مذاهب الغرب قائمة على التقليد

 

وإذا كان الغرب ينتقد المسلمين ويصفهم بأنهم عقول متبعة للنصوص وليست عقولاً مبتكرة فإن هذه المذمة موجودة لديهم في الغرب وليست بنت العقلية المسلمة،

فالمذاهب الكبرى في الغرب سواء كانت دينية أم دنيوية كلها قائمة على التقليد وعدم الابتكار، والكنائس الأوروبية تخاطب أتباعها على أساس أن عليهم السمع والطاعة والتنفيذ والخضوع.

 

كما أن العلمانية والمذاهب العقلية الغربية حينما أسست أحزابًا مثل الأحزاب الشيوعية فإنها أسستها على الطاعة العمياء للقائد الذي هو ملهم وعبقري.

وحتى البروتستانتية التي قامت على عدم التقليد فإنها ما لبثت أن عادت وبنت كنائسها على التقليد.

 

إن اتهام العقلية المسلمة بصفة خاصة بالتقليدية لأنها قائمة على اتباع النصوص اتهام غير صحيح،

فالأمر يعود إلى طبيعة الإنسان الشخصية، فقد يكون لدى الشخص قدرات عقلية جيدة ويسعى لتكوين رأي مستقل،

وهذا الإنسان لن يكون مقلدًا سواء كان مسلمًا أو غير مسلم،

أما إذا كان الشخص متواضع القدرات الفكرية فسوف يكون مقلدًا حتى ولو كان علمانيًا أو شيوعيًا أو ملحدًا.

 

كما أن قضية التقليد والإبداع ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقضية التربية والوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه الطفل،

فإذا نشأ الطفل في وسط اجتماعي يشجع العلم والتعليم والقراءة والمناقشة والنقد،

فسوف يتعود الطفل على الاستقلالية والنقد والتفكير وربما الابتكار والعكس صحيح.

 

وإذا كان المقصود بالابتكار هو الابتكار العلمي فإن حضارة المسلمين مليئة بالابتكار في مختلف المجالات من هندسة وجبر وفلك وفيزياء وكيمياء وطب،

كما أن الحضارة الإسلامية مليئة بالفنون التشكيلية المتنوعة..

فهل بعد كل هذا العطاء الحضاري المتميز يبقى هناك مجال لكل عدو حاقد،

سواء كان غربيًا صليبيًا أو يهوديًا صهيونيًا،

أو تابع لهم من المسلمين غافل أو جاهل أو مغيب..

لكي يصف المسلمين بأنهم حفاظ مقلدون غير مبتكرين ولا مبدعين؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى