آراءمقالات

المومياوات في دمنا.. كيف لا نحبهم؟

السيد أبو داود
Latest posts by السيد أبو داود (see all)

توقفت كثيرًا عند الظاهرة الفرعونية، التي اهتم بها القرآن الكريم ففصلها تفصيلاً وذمها وحذر منها،

وكان اهتمامي بهذه الظاهرة العجيبة يزداد مع تقدم العمر وتراكم الثقافة.. من الأبعاد السياسية والنفسية والاجتماعية.

ـ إذا كان البشر في جميع أصقاع الأرض، وبمختلف أجناسهم وأعراقهم وألوانهم ولغاتهم،

يعانون من مستويات ومقادير مختلفة من قهر الحكام وجبروتهم وفسادهم .. إلا إن ما حدث في مصر كان عجيبًا على مستويين:

المستوى الأول هو مستوى الحكام الطغاة أنفسهم، فقد وصل في مصر إلى مستوى لا يصدقه عقل وهو ادعاء الحاكم المستبد للألوهية وإجباره للمصريين على عبادته..

والمستوى الثاني هو مستوى الشعب المصري الذي أطاع هذا الحاكم الجبار بل وعبده من دون الله ..

وهذه جريمة أن يفعل شعب محكوم ذلك، وبدلاً من أن يجتمع الناس على مقاومة ظلم الحاكم وجبروته وشذوذه في ادعاء الألوهية، إذا بهم يتفنون في تبرير خضوعهم واستكانتهم:

فقد استعبدهم فعبدوه، وأضلهم فساروا خلفه وأطاعوه وما قاوموه، وسامهم صنوف العذاب فأحبوه والتمسوا له الأعذار، بل وحاربوا معه نبي الله موسى..

حتى ترسخت طاعة الفرعون على مر الزمن في دمائهم، وتحولت هذه الطاعة إلى خوف، ثم تحول الخوف إلى اتباع وتأييد وولاء، ثم تحول الولاء والتأييد إلى حب..

وكان هذا من أعجب الاستجابات التي حدثت لدى شعب من الشعوب تجاه جبروت حاكمه وحكامه فيما بعد.

ـ تتابع على احتلال مصر صنوف وألوان من البشر، من البطالمة والرومان والفرس والهكسوس والفرنسيين والإنجليز..

وغيرهم .. والمصريون على حالهم في الطاعة والمتابعة.

ـ ربما يرى بعض الجهلة أن الوجود العربي في مصر كان احتلالاً مثل الوجود الروماني.. ولهؤلاء وأتباعهم نقول:

إن الوجود العربي الإسلامي هو الذي حرر مصر، وحرر الإنسان المصري ورد إليه إنسانيته، وأدرك المصريون ذلك، فسافرت امرأة وابنها الذي ضربه ابن الوالي إلى خليفة المسلمين..

فتم استدعاء الوالي وابنه، وقام المواطن المصري المضروب بضرب ابن الوالي أمام الناس..

بل العجيب أن خليفة المسلمين يطلب منه أن يضرب الوالي أيضًا لأن ابنه لم يفعل ذلك إلا لنفوذ أبيه..

لكن المصري المضروب رفض وقال إنه قد ضرب من ضربه وهذا يكفيه.. لأول مرة في تاريخ المصريين المقهورين يحدث هذا المشهد العجيب.

ثم حرر العرب المسلمون عقيدة المصريين وحموها ولم يجبروهم على العقيدة الجديدة.

عندئذ ملك المصريون لأول مرة حريتهم وإرادتهم وكرامتهم، فأقاموا الحضارة العظيمة وفتحوا البلدان.

مع مرور الزمن كما أسلفنا انطبعت جينات المصريين ونفسياتهم وعقولهم على حب الفرعون، ووصل هذا الحب إلى درجة التقديس،

التي هي قريبة من العبادة التي حذر القرآن منها.. بل يمكن أن تكون هي العبادة نفسها.

حتى وصلنا إلى محطتنا الأخيرة مع الفراعين وهي موكب المومياوات المنتقل من المتحف الحالي بميدان التحرير إلى متحف الحضارة بمكانه الجديد،

وكان الموكب يجمع عددًا كبيرًا من فراعين مصر بتاريخهم هذا..

لكن المصريين (ومنهم قطاع عريض من الإسلاميين) أحبوا الموكب وتعلقوا به وافتخروا وأشادوا به،

فهم قلوبهم كبيرة، ويتسامحون مع الطغاة فقط، لكن لا يتسامحون فيما بينهم..

إنهم مولعون تاريخيًا بالحب لمن يهينهم ويذلهم ويقهرهم، وهذا مرض يؤكد التاريخ أنه ليس منه شفاء.

 

الظاهرة التي في حاجة لبحث ودراسة هي عن الإسلاميين،

الذين ينطلقون من الرؤية الإسلامية والثقافة الإسلامية ومشروعهم إسلامي وهويتهم إسلامية، ومع ذلك يحبون المومياوات ويترحمون على الفراعين.

يبدو أن الفرعونية وعبادة الفرعون والضاربة بجذورها بعنف في المجتمع المصري.. فغيرت عقول ونفوس وجينات المصريين..

توشك أن تطوقنا وتبتلعنا جميعًا.. فالواقع يؤكد أن الناجين منها قليلون..

حتى ولو كانوا إسلاميين يتخيلون أنهم بعيدون عنها وبريئون منها.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى