آراءمقالات

المسلمون.. بين الحفظ والإبداع

السيد أبو داود
Latest posts by السيد أبو داود (see all)

يوجه المستشرقون والغرب وأتباعهم من المهزومين من بني جلدتنا من غلمان العلمانية في بلادنا، انتقادات حادة إلى المسلمين، بأنهم يربون أبناءهم على اتباع النصوص وحفظها ولا يربونهم على الابتكار، ويدعون أننا متبعون ولسنا مبدعين.

 

ولهؤلاء الكارهين والحاقدين نقول: لا إبداع دون اتباع، لأن الأمر في هذه الحالة يتحول إلى فوضى، والفوضى لا يمكن أن تكون إبداعًا على الإطلاق.

 

والفهم الصحيح للإبداع يعني أن أفكر في الواقع الذي أعيشه وأن أستوعبه وأتفاعل معه وأنفعل به، ثم أحاول تطويره، وهذا هو قمة الإبداع.

 

فالإبداع لا يأتي من فراغ، وإنما يأتي من الواقع المعاش ومحاولة نقله من صورة إلى صورة مختلفة، وهذه الصورة المختلفة في الإسلام تكون في إطار عام هو إطار التوحيد والعبودية لله. وإذا نظرنا إلى القضية من هذه الزاوية فإننا نجد أن الإسلام هو السباق إلى هذا الإبداع العاقل المتزن الملتزم الذي يسعى لصالح الإنسان بدليلين:

 

الدليل الأول الحديث النبوي الشريف (من سن سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن سنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئًا). والحديث دعوة مباشرة إلى الإبداع على أن يكون هذا الإبداع منضبطًا وعقلانيًا وليس إبداعًا شيطانيًا.

 

والدليل الثاني أن الإسلام فيما يتصل بمسائل الدنيا جعل كل شيء حلالاً إلا ما نزل نص بتحريمه، ومعنى ذلك أن المسلم مطالب بأن يجتهد في أمور دنياه ما شاء، طالما لن يتعرض لنص قاطع.

 

وتدل التجربة الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي وحتى في عصر الخلافة الراشدة على أن المسلمين عندما فهموا هذا الأمر جيدًا استطاعوا أن يبدعوا حضارة قامت على معطيات فكر الفرس والروم واليونانيين والهنود، وكل العلم الذي وقعوا عليه دون أن يجدوا في ذلك حرجًا على الإطلاق ، ومن كل تلك الروافد كانت حضارة الإسلام التي نتباهى بها إلى اليوم.

 

أما الذين يقولون بأن الحفظ ضد الإبداع فنحن نقول إنه لا إبداع دون مخزون يقوم عليه هذا الإبداع .. فلا إبداع من فراغ .. وإنما يكون الإبداع بناء على معطيات محفوظة يتم تقليدها والنظر إليها بنظرة نقدية واعية حصيفة. فالإبداع لا يأتي من فراغ إلا في حالة الأطفال الذين في سن المهد أو إبداع المجانين. فالذاكرة أساس على ألا تكون هذه الذاكرة ذاكرة ببغاء تقوم على ترديد دون وعي ودون فهم ودون نقد.

 

وكيف يتهم المسلمون بأنهم يحفظون ولا يبدعون رغم أن علم الحديث عندهم قام في البداية على حفظ مئات الآلاف من الأحاديث ثم طبقوا بعد ذلك منهج الشك والتثبت في النقد والجرح حتى صار هذا العلم علومًا متعددة تشكل آلية متكاملة لأسس البحث العلمي وتمييز الحق من الباطل.

 

وإذا كان الغربيون يتهموننا بأننا تقليديون وحفاظ، فإننا نقول إن الأمريكيين أكثر الناس تقليدية، فلا زال وليم جيمس الذي مات منذ قرنين مقدسًا عندهم ويرددون كلامه، وكذلك جون ديوي.

إن كل مفكري البرجماتية الأمريكية لا يزالون يعيشون في فكر كل أمريكي يعيش اليوم.

 

فالأمريكيون أكثر تقليدية ولكنهم يقلدون النمط البرجماتي النفعي الذرائعي، الذي هو دين الأمريكيين. هذه النفعية الذرائعية تنظر إلى الأمور بمقياس قيمتها ومردودها المادي، أما نحن فتقليديون على مذهب نبذ الدنيا وليس هجرها، وإنما نجعل لها مثلاً أعلى رفيعًا نعيش له أو نموت على طريقه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى