آراءبحوث ودراسات

السيد أبو داود يكتب: العلمانية المصرية التي تطرفت

السيد أبو داود
Latest posts by السيد أبو داود (see all)

– كانت العلمانية في عالمنا العربي والإسلامي، منذ ظهورها في العصر الحديث، تنقسم تاريخيًا إلى نموذجين اثنين أساسيين: نموذج معتدل هادئ، وهو النموذج المصري الذي أسسه محمد علي، ونموذج متطرف مغال، وله صورتان: الصورة الأولى هي صورة نظام أتاتورك في تركيا، والصورة الثانية هي صورة نظام بورقيبة في تونس.

 

1 – النموذج العلماني المعتدل الهادئ (النموذج المصري):

وقد أسسه محمد علي، الذي بدأ حكم مصر عام 1805م، كوالي عليها من قبل الدولة العثمانية.

 

ومحمد علي لم يكن وطنيًا، أي ليست لديه نزعه وطنية، فهو أساسًا غير مصري، فهو مواطن ألباني. لم يكن متدينًا، وفي نفس الوقت لم يكن كارهًا للدين. أراد أن يقيم نهضة في مصر، ليس على أرضية وطنية ولا خدمة للدين والأمة، وإنما أراد أن يؤسس ملكًا ودولة عظيمة له ولأبنائه من بعده.

 

كل من يدرس تاريخ محمد علي يلاحظ ذلك ويتأكد منه. كما يتأكد من أنه وأبناءه من بعده، لم يكونوا متطرفين ضد الدين ولا معادين للشريعة. ولم يفعلوا أي شيء سلبي في الأزهر وضد علمائه، مقارنة بما فعله العسكر بعد ذلك.

 

ومن هنا جاءت العلمانية التي أسسها محمد علي وسار عليها أبناؤه من بعده، علمانية هادئة، متصالحة إلى حد معقول مع الدين وغير مصطدمة به.

 

وحينما قام انقلاب 23 يوليو 1952م، أراد عبد الناصر أن يلغي الأزهر تمامًا من المجتمع المصري، إلا إن صديقه سوكارنو نصحه بألا يفعل ذلك، بل إن عليه أن يستغل الأزهر لخدمة الدولة المصرية والترويج لها خارجيًا. ورغم محاولة تطويق الأزهر وإصدار قانون تطويره والتضييق على رجاله، إلا إن علمانية العسكر الناصرية ظلت غير متطرفة في تعاملها مع القيم الإسلامية (وإن استبطنت العداء لها وعدم الاهتمام بها). وكان التصالح في عهد السادات مع القيم الإسلامية معقولا. ولم تكن الأمور هادئة في عهد مبارك كما كانت في عهد السادات، لكن كان الصدام مع الفكرة الإسلامية في بؤر محدودة، ككتابات سعيد العشماوي وفرج فودة ونصر أبو زيد .. الخ. وهؤلاء بالتأكيد كانوا يتمتعون بالغطاء والرضا الرسمي من مؤسسات الدولة. فالصدام كان جزئيًا محدودًا بهدف عرقلة انتشار أفكار الإسلاميين في المجتمع المصري. ونؤخر الحديث عن علمانية النظام الحالي إلى آخر السطور.

 

2 – النموذج العلماني المتطرف:

 

أ – الصورة الأولى:

هي صورة نظام أتاتورك في تركيا: وقد كان شديد التطرف، ضد الإسلام، فهو ضد أي شيء إسلامي، في الشكل والمضمون، ضد الحرف العربي المكتوب به اللغة التركية، وضد الأذان، وضد الحجاب، وضد التعليم الديني، وضد تحفيظ القرآن، وضد الهوية الإسلامية، وضد التاريخ الإسلامي والدولة العثمانية … الخ. فهو منسلخ تمامًا وكاملاً من الإسلام ولا يقبل أي رباط، شكلي أو موضوعي أو لغوي، بهذا الدين، وممنوع على أي أحد الدعوة إلى شيء من هذا، ومن يفعل ذلك يحاكم ويفصل من عمله ويسجن وقد يعدم. وكيف لا يفعل هذا وهو يهودي (من يهود الدونمة) ويتحرك وفق تخطيط وأجندة أوروبية لضرب الدولة العثمانية والقضاء عليها.

 

وتنفيذًا للأجندة التي جاء بها أتاتورك فقد ألغى الخلافة الإسلامية وفصل الدين عن الدولة، وألغى الحروف العربية واستخدم الحروف اللاتينية بدلاً منها في كتابة اللغة التركية، وأغلق مدارس تعليم اللغة العربية، وقطع العلاقة مع الجذور الإسلامية للشعب التركي، وألغى الشريعة الإسلامية من المؤسسة التشريعية، وألغى وزارة الأوقاف والمحاكم الشرعية، وأغلق الكثير من المساجد وحددها بعدد لا يتم تجاوزه في كل 500 متر مربع، وألغى التقويم الهجري، وحذف بند أن تركيا دولة إسلامية من الدستور، وأهمل التعليم الديني ثم أغلق كلية الشريعة، وألغى حجاب المرأة، وألغى قوامة الرجل كما أمر الإسلام.

 

ب – الصورة الثانية:

هي صورة نظام بورقيبة في تونس: وكان بورقيبة مناضلاً سياسيًا ضد الاستعمار الفرنسي، وقد دخل السجن نتيجة ذلك، وأصبح أول من ألف حكومة بعد الاستقلال عام 1956م، ثم أصبح زعيمًا له شعبية كبيرة، وكان لديه إحساس زائد بالعظمة، ويريد أن يكون زعيمًا يمجده قومه، وكان غير متدين ولا يحب الدين، بل لديه خصومة مع الدين وينظر إلى الدين نظرة سلبية، ثقافته ثقافة علمانية، لم يتعرف على الإسلام، لم يرزقه الله بمعرفة دينه، فعادى الإسلام وكرهه وكره كل ما هو رمز إسلامي، فمنع الحجاب وأراد أن يمنع الصوم في رمضان، وساعد في نشر الخمور والرقص، ونشر الأزياء الخليعة وكل ما هو غربي، وحارب كل المواريث والقيم الإسلامية، ووصل به التجبر والتطرف إلى إغلاق جامعة الزيتونة، وحاول ثني الحجيج التونسيين من أداء فريضة الحج لما فيها من إهدار لمقادير مالية من العملات الصعبة، ومنع صلاة الفجر للشباب وبدأت المخابرات تلاحق من يصلي باستمرار، وأصدر قانون الأحوال الشخصية الذي يقطع علاقة الأسرة بالإسلام، ومنع استخدام التاريخ الهجري، وأمم أكثر من 200 مسجد وحولها إلى مساكن أو مراقص أو خمارات، كما ألغى الأوقاف والمحاكم الشرعية.

 

• نعود إلى علمانية النظام المصري الحالي، فقد تحول من العلمانية الهادئة المتصالحة، إلى موجات توشك أن تدفع به إلى مربع التطرف ضد الدين.

 

قيادة الدولة المصرية ترى أننا ورثنا -نحن المسلمين- ميراثا هائلا من الأخطاء على أساس أنها من الدين، وأن مليارا وسبعمائة مليون مسلم يريدون أن يقتلوا سبعة مليارات إنسان حول العالم ليعيشوا.. متناسية أن المسلمين -دون غيرهم- هم ضحايا المذابح في العالم منذ عقود، في: البوسنة والهرسك والشيشان والفلبين وأبخازيا وإفريقيا الوسطى والصين والهند وكشمير وبورما وفلسطين والعراق وأفغانستان.. الخ. فما من مذبحة تحدث في العالم إلا على رؤوس المسلمين.

 

وما كان من النخبة المصرية إلا أن تلقفت هذه الإشارات، فقفزت قفزات إلى الأمام، وهكذا سلمت مصر نفسها (بحجة مواجهة الإخوان واستئصالهم.. وفي غمرة الصراع السياسي) إلى نخبة غبية وجاهلة وحاقدة ومتغربة ومرتزقة ومتكسبة ومهزومة، تريد أن تصفي حساباتها مع الخصم الذي فشلت في مواجهته تاريخيا، وعلى كل الأصعدة، رغم إن هذا الخصم كان طوال الوقت -عبر عقود طويلة- محاصرًا ومسجونًا ومطاردًا وممنوعًا من الوصول إلى أجهزة الدولة، وممنوعًا من الحصول على حزب سياسي، وممنوعًا من الحصول على منبر إعلامي .. ومع ذلك كان هو الطرف المنتصر على هذه النخبة الفاسدة المتغربة، لذلك فهي الآن وجودية وصفرية في مواجهتها للطرف الإسلامي، ليس على أساس سياسي، وإنما على أساس فكري وثقافي وقيمي. فهم الآن يختلفون مع الأزهر وما يمثله أحمد الطيب -الذي كانوا يحبونه من قبل- وهم الآن يرفضون كثيرًا جدًا من القيم التي لم يكونوا يرفضونها من قبل، ورأينا عميدة سابقة بجامعة الأزهر وعضوة بمجلس النواب تدعو إلى إعطاء المطلقة نصف ثروة الزوج. هذا نسق فكري جديد.. القوم بدءوا يفكرون بشكل مختلف.. إنه شكل متطرف وعنيف.. حجتهم مواجهة الإخوان وتجفيف منابعهم.. لكن حقيقة الأمر أنهم يواجهون القيم الإسلامية والأفكار الإسلامية.. لقد أصبحوا في مواجهة الإسلام نفسه.. إنهم يسيرون في طريق أتاتورك وبورقيبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى