آراءمقالات

الحروب الصليبية مازالت مستمرة

السيد أبو داود
Latest posts by السيد أبو داود (see all)

الحروب الصليبية مازالت مستمرة .. ومن ظن أنها انتهت غافل أو مغيب.

 

لم تكن الحملات الصليبية أو الحروب الصليبية، التي شنتها أوروبا في الفترة من (١٠٩٦م – ١٢٩١م)، والتي رفعوا فيها الصليب شعارًا، مدعين تحرير نصارى الشرق من عنف واستعباد وتضييق المسلمين (نفس الحجج والشعارات التي يطلقونها اليوم في وجوهنا بحجة حقوق الأقليات الدينية) .. لم تبدأ هذه الحملات أو الحروب من فراغ؛ فهناك محرك رئيس لها وهو الغل والحقد والكراهية والرغبة في الانتقام من الإسلام والمسلمين، الذين حرروا العالم العربي من إمبراطوريتهم البيزنطية العظيمة، كأول امتداد للإسلام خارج الجزيرة العربية (لكن في المحيط العربي الإقليمي).

الحروب الصليبية مازالت مستمرة .. ومن ظن أنها انتهت غافل أو مغيب.
الحروب الصليبية مازالت مستمرة .. ومن ظن أنها انتهت غافل أو مغيب.

ثم تطور الغل الأوروبي ضد المسلمين، عندما فتحوا جنوب أوروبا الغربي (الأندلس) عام ٧١١م، وظلوا فيها حتى عام ١٤٩٢م، وكانوا طيلة هذه القرون هم ملوك أوروبا، وأوروبا أمامهم صاغرة ذليلة، ورغم ما تركه المسلمون من نور وحضارة وعلوم وتسامح وعمران ونماء وخير، إلا إن الأوروبيين حينما عادت لهم السيطرة على الأندلس مارسوا كل أشكال القتل والتنصير بكل غل وكراهية وحقد ضد المسلمين.

 

الحروب الصليبية إذًا هي صراع عقيدة وقيم وثقافة قبل أن تكون صراعًا سياسيًا وصراعًا على الثروة.

 

ووصل الغل الأوروبي مداه تجاه المسلمين، أثناء وبعد الحروب الصليبية التي استمرت مائتي عام، ولم تكن الثورة الصناعية قد حدثت عندهم بعد، ولم يكن الفارق في الأسلحة قد اتسع بشكل رهيب لصالحهم، فخاض المسلمون حربًا طويلة ضد الأوروبيين الصليبيين، كشفت عن معدن هذه الأمة وتميزها وقدرتها المذهلة على الاستفاقة والعودة من بعيد، وعرف الأوروبيون معنى عقيدة الجهاد في الأمة المسلمة، وتأكد لهم بكل برهان ودليل أن صراعهم مع المسلمين إلى هزيمة وخسران لا محالة.

 

كانت معارك تحرير المسلمين للولايات التي أقامها الصليبيون مثل أنطاكية والرها والقدس ودمشق.. الخ، كل معركة منها ـ على حدة ـ  تستحق أن تسجل في التاريخ .. ولن ينساها أجيال الغرب أبدًا.. خاصة معركة تحرير القدس.

 

لن ينسى الغرب أبدُا قادة المسلمين العظام مثل البطل عماد الدين زنكي، الذي بدأ التحرير، ولن ينسوا  بطل الأبطال الابن نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، ولن ينسوا أبدًا البطل صلاح الدين الأيوبي.

 

وكانت الخاتمة المذلة هي معركة المنصورة بمصرنا الحبيبة، وهي المعركة التي دارت رحاها من ٨ إلى ١١ فبراير من سنة ١٢٥٠م، بين القوات الصليبية بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا، والقوات الأيوبية بقيادة الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ وفارس الدين أقطاي الجمدار وركن الدين بيبرس البندقداري، وأسفرت المعركة عن هزيمة الصليبيين هزيمة كبرى منعتهم من إرسال حملة صليبية جديدة إلى مصر، وكانت بمثابة نقطة البداية التي أخذت بعدها الهزائم تتوالى عليهم حتى تم تحرير كامل الشام من الحكم الصليبي، وتم أسر لويس التاسع، وقامت فرنسا وأوروبا بدفع الجزية الضخمة عنه وهو أسير ذليل صاغر.

 

بعد هذا الذل والهوان، وبعد الهزائم المتتالية على أيدي المسلمين، قررت أوروبا ألا تدخل في مواجهة عسكرية مع المسلمين مرة أخرى، وغيرت إستراتيجيتها إلى أساليب المكر والدهاء والتسلل والسيطرة وبسط النفوذ بشكل غير مباشر .. وظل الأمر على هذا الحال قرونًا طويلة طيلة حكم دول الإسلام القوية: الأيوبية ـ المماليك ـ العثمانية.

 

وإذا كانت الحروب الصليبية قد انتهت شكلاُ وليس حقيقة وواقعًا عام ١٢٩١م، فإن الغل الغربي قد وجد أسبابه بعد فتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية عام ١٤٥٣م، ثم بعد أن أصبح قلب أوروبا ميدانًا للسيطرة والنفوذ الإسلامي العثماني، حيث ظلت أوروبا تذوق ذل الهزيمة والخضوع قرونًا طويلة.

 

بعد هذه القرون من القوة والغلبة للمسلمين، ضعفت قوة الدين في قلوبهم وأحبوا الدنيا وانخرطوا فيها وتنافسوها وتخلوا عن فريضة الجهاد وهانوا على الله، فأوكلهم الله إلى أنفسهم، وسلط عليهم عدوهم (الغرب النصراني الصليبي) .. عندها أدرك الغرب أن المسلمين قد ضعفوا مع ضعف آخر دولهم الكبيرة وسقوطها (الدولة العثمانية) .. فأعمل فيهم السيف عبر حركة الكشوف الجغرافية حيث عرف الأوروبيون كيف يلفون الحبل حول عنق العالم الإسلامي، ثم كان شد الحبل عبر حركة الاستعمار الحديثة لبلاد العرب والمسلمين، والتي بدأت عام ١٨٣٠م باحتلال فرنسا للجزائر وانتهت شكليًا عام ١٩٧١م بجلاء بريطانيا عن قطر والبحرين والإمارات، وجلاء فرنسا عن جيبوتي عام ١٩٧٧م.

 

كان الجلاء الغربي عن بلادنا شكليًا فقط، فالاحتلال مازال موجودًا ولكن بصور خبيثة وغير مباشرة ولكنه يحقق هدفين أساسيين: الهدف الأول هو نهب ثروة الشعب المضحوك عليه بالجلاء والاستقلال، والهدف الثاني هو الهيمنة على القرار السياسي للدولة المسكينة التي تم الجلاء عنها.

 

الحرب الصليبية في فلسطين مازالت قائمة على أشدها.

 

الحرب الصليبية على العراق مزقته إلى ثلاثة دول وقتلت منه مليون مسلم، غير العجزة والمصابين، وأعادته مائة عام إلى الوراء، بعدما كان يتمتع بحركة تنمية عالية في مجالات عديدة.

 

الحرب الصليبية في أفغانستان والتي أعلنها بوش الابن (بعضمة لسانه) عام ٢٠٠٣م، وقال: الآن بدأت الحروب الصليبية، مازالت مستمرة ولم تنته، وهدمت بنيان هذا البلد المسلم، وقتلت منه عشرات الآلاف وشردت مئات الآلاف وهدمته وخربت بنيته.

 

الحرب الصليبية على السودان أدت إلى تقسيمه وتمزيقه وانفصال جنوبه عن شماله.

 

الحرب الصليبية مستمرة عبر تسليح بؤر الصراع الكثيرة في العالم الإسلامي لتحقيق هدفين: الهدف الأول إشعال الحروب والأزمات في بلاد المسلمين والعمل على استمرارها لاستنزاف هذه البلاد بشريًا، والهدف الثاني هو جعل بلاد المسلمين سوقًا للسلاح لتشغيل مصانع الأسلحة الغربية ولاستنزاف البلاد الإسلامية ماديًا ونهب الجانب الأغلب من ثرواتها ثمنًا لسلاح .. ولكنه سلاح رديء غير متطور.

 

الحرب الصليبية مستمرة عبر منع التكنولوجيا المتطورة عن البلاد الإسلامية، لكي تبقى الفجوة العلمية شاسعة مع أوروبا، حتى تظل الهيمنة الغربية مستمرة علينا.

 

الحرب الصليبية مستمرة كل يوم؛ ولكن بطرق ووسائل وأساليب مختلفة، أساليب غير مباشرة، لا ترفع راية الصليب ولكنها ترفع رايات أخرى تبدو بريئة أو منطقية.

 

وهكذا فإن الحرب الصليبية مازالت مستمرة، لم تهدأ يومًا، ولم تنته يومًا، وهي واقع نعيشه كل يوم، بأشكال وعناوين مختلفة، ويوم أن نقنع أنفسنا بأن هذه الحرب الدنيئة الظالمة الحاقدة قد انتهت، فإننا نرتكب جريمة الغفلة والتفريط والإهمال وتزييف الوعي، في حق أنفسنا وفي حق أمتنا .. وهي جريمة لو تعلمون عظيمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى