آراءمقالات

اختطاف الأزهر وتأميمه.. إلى متى؟

السيد أبو داود
Latest posts by السيد أبو داود (see all)

– كان الأزهر المدرسة التاريخية الأولى والوحيدة التي تعلم فيها المصريون القراءة والكتابة والحساب والخط والجغرافيا والتاريخ والفلك والدين والأخلاق والشريعة، ولم يكن في مصر تعليم قبل محمد علي إلا في الأزهر.

– ‏قاد الأزهر الحركة الوطنية دائمًا، كما قاد حركة الوعي في المجتمع المصري، وكان علماؤه هم قادة ثورتي القاهرة الأولى والثانية ضد الحملة الفرنسية، والتي كان من نتائجهما نجاح جهود المصريين في التحرر من الاحتلال الفرنسي خلال ثلاث سنوات فقط، كما كان علماء الأزهر هم قادة ثورة 1919م.

– حينما جاء ضباط يوليو 1952م، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر، أدركوا أن بقاءهم لن يكون في مأمن طالما بقي الأزهر مؤسسة قوية ومستقلة ومتماسكة، فالأزهر هو حصن العلم والمدافع عن الحقوق وقائد الجهاد والمقاومة والتحرر الوطني ومدرسة الوعي، وفوق ذلك يحظى بحب وثقة واحترام المصريين، وفي هذا خطر على مشروع الدولة العسكرية الذي يريده ويقوده عبد الناصر ويخطط ويؤسس له، والذي أطاح في سبيله بمحمد نجيب وبالإخوان، فهو لا يريد دولة مدنية، والأزهر بالتأكيد يؤيد الدولة المدنية والحقوق المدنية والدستور.

– فكر عبد الناصر في تفكيك الأزهر وإغلاقه، وأسر بذلك إلى صديقه في حركة عدم الانحياز، الرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو، فنصحه بألا يفعل، وقال له إننا لا نعرفكم إلا من خلال الأزهر، فلجأ عبد الناصر إلى حل آخر وهو اختطاف الأزهر وتأميمه، حتى لا يكون عقبة أمام مشروعه وطموحه، فاتخذ القرارات الآتية:

أ – حل هيئة كبار العلماء. ذات الاستقلالية الكبيرة في تكوينها، والتي كانت تمثل المرجعية العليا للأزهر والإسناد الكبير لشيخه، وأحل محلها مجمع البحوث الإسلامية الذي تعينه الدولة.

ب – جعل شيخ الأزهر بالتعيين. وأصبح موظفًا يعينه رئيس الجمهورية بعدما كان شخصية مستقلة يختاره كبار العلماء، الذين كانوا مستقلين أيضًا.

ج – تأميم أوقاف الأزهر والاستيلاء عليها، وهي من الضخامة بمكان.

د – حل القضاء الشرعي، وجعل أمره بيد القانون الوضعي، ومقتصرًا على الأحوال الشخصية.

– المفترض أنه كان في مصر في ذلك الوقت مؤسستين دينيتين هما: الأزهر والكنيسة، والمفترض أن يعاملهما ضباط 23 يوليو 1952م بالمساواة، لكن ماذا حدث؟ لم يتدخلوا في اختيار رأس الكنيسة وهو البابا مثلما تدخلوا في اختيار شيخ الأزهر، ولم يتدخلوا في اختيار المجلس الملي للأقباط مثلما تدخلوا في حل هيئة كبار العلماء وتشكيل مجمع البحوث الإسلامية، وإن كانوا قد استولوا على أوقاف الكنيسة لبضع سنوات فإنهم أعادوها إليها .. بعكس أوقاف الأزهر التي يرفضون أن يعيدوها إليه حتى وقتنا هذا.

– لنتصور أن الأزهر عادت إليه أوقافه .. ماذا سيحدث؟ .. إذا عادت إلى الأزهر أوقافه .. سيصبح أغنى مؤسسة في مصر، سيصبح أغنى من الجيش، ومن جميع رجال الأعمال مجتمعين، لأن لديه أوقافًا تشمل أراض وعقارات من الإسكندرية إلى أسوان، ثم سيصبح لديه نهر مستقبلي من الأوقاف التي لا تنتهي .. يوقفها المسلمون الخيرون على الدعوة والمساجد والأزهر وعلى طلاب العلم والوافدين. وستكون رواتب الأزهر الأعلى بفارق كبير عن الأطباء والمهندسين وغيرهم من المهنيين .. وهكذا ستعتدل الأمور بضربة واحدة.

كما سيتقاضى أئمة المساجد والخطباء وأساتذة جامعة الأزهر رواتبهم من الأزهر وليس من خزينة الدولة، وعندها لن يخافوا ولن يجبنوا، وسيقولون كلمة الحق، وسيعود الأمر إلى نصابه كما كان تاريخيًا، وسيستقل العالم والداعية. وهذا أمر شديد الأهمية. فسوف يحصل العالم والداعية على حريته واستقلاله، لأنه لن يكون موظفًا حكوميًا، وإنما ستصبح تبعيته الإدارية والوظيفية للأزهر وشيخه.

– لكن ماذا لو عادت للأزهر حريته وتحقق له استقلاله في اختيار هيئة كبار علمائه التي بدورها ستختار شيخه دون تدخل من الدولة (مثلما يحدث في الكنيسة)؟.. هذا حلم غير مسموح به.. نعم حتى غير مسموح به وهو حلم؟ نعم هذه هي الحقيقة من شدة مرارتها.

فمن غير المسموح به أن يصبح الأزهر مؤسسة عملاقة وقوية وغنية ومستقلة وحرة ومؤثرة.. تملك قرارها وإرادتها بيدها.. ولا يستطيع أحد أن يملي عليها إرادته.. لأن معنى ذلك أن الكثير من الأمور الأساسية والمعادلات الاستراتيجية ستتغير.. وسيصبح الأزهر ساعتها هو المؤسسة الأكبر والأهم والأكثر تأثيرًا.. التي يقصدها الأحزاب والجماعات والساسة والمفكرون والمثقفون والصحفيون وصناع القرار.. ليس لأنها تنافسهم.. ولكن لأنها الإطار الديني والعلمي والوطني.. الذي يجمعهم ويصلح بينهم ويشير عليهم.. فالأزهر للجميع هو.. المرجعية المنزهة عن المصلحة الضيقة والهوى السياسي المتغير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى