آراءبحوث ودراسات

السيد أبو داود يكتب: «آيا صوفيا».. وتداعياتها

السيد أبو داود
Latest posts by السيد أبو داود (see all)

– جاء قرار الرئيس التركي بإعادة تبعية متحف «آيا صوفيا» إلى هيئة الشئون الدينية، تمهيدًا لإعلانه مسجدًا، كما كان بعد فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح، ليثير الكثيرين، ولتخرج المواقف العنيفة الرافضة أو المؤيدة.

 

– كان رد فعل كثير من الدول الأوروبية مثل اليونان وروسيا معروفًا ومتوقعا في عنفه ورفضه وغضبه، باعتبار هذه الدول مراكز للأرثوذكسية، التي كانت «آيا صوفيا» مركزها الرئيسي في يوم من الأيام.

 

– كما يمكن فهم الموقف الفرنسي، باعتبار فرنسا أهم خصم أوروبي رافض لما يمثله أردوغان وحزبه وتياره، من عودة للهوية الإسلامية التي ترفضها فرنسا، باعتبارها راعية للمشروع الاستعماري والتنصيري الذي يستهدف الإسلام والمسلمين.

 

– كذلك يمكن فهم الموقف الأمريكي، حيث تعتبر أمريكا نفسها راعية للعالم أجمع ومقررة للقيم والمعاني الحضارية والعصرية (كما تدعي زورًا وكذبًا)، وهذا دأبها حيث تحشر أنفها في كل شيء سواء كان يخصها أو لا يخصها، باعتبار أنها حاكمة العالم ولا ينبغي إبرام أمر إلا بموافقتها.

 

– المواقف الأوروبية والأمريكية منطقية ويمكن فهمها، فهؤلاء خصوم الإسلام وأعداؤه التاريخيون، وفتح القسطنطينية وكنيستها الأعظم كان بالنسبة لهم كخروج أرواحهم من أجسادهم.

 

– لكن المشكلة كانت في عالمنا العربي المسلم، بل وفي داخل فصائل الحركة الإسلامية نفسها.

 

– فغالبية الدول العربية التي تحكمها أنظمة كارهة لثورات الشعوب، وكارهة للإسلاميين باعتبارهم تهديدًا سياسيًا مباشرًا لهذه النظم، كانوا أكثر تطرفًا في مواقفهم من الأطراف الغربية (صاحبة المصلحة في الخصومة) والأغرب أن تستعين هذه النظم بمشايخ يحرمون القرار التركي.

 

– من فتح الله قلبه وأراد أن يفهم فسوف يفهم، لكن من غلبت عليه شقوته، ومن قاده هواه، ومن تحركه مصالحه، ومن امتلأ قلبه بالكراهية والغل … فلن تملك لهؤلاء شيئًا.

 

– هناك فقه إسلامي عظيم يفرق بين الأراضي والبلاد التي فتحها المسلمون سلمًا (أي إن أهل هذه البلاد سلموها للمسلمين بدون حرب)، وبين الأراضي والبلاد التي فتحها المسلمون عنوة أو قسرًا أو بالحرب (بعد أن رفض أهلها التسليم) .. هذان طرفان غير متماثلين، لكل منهما شروط فتح واتفاقيات وتحصيل أموال الخراج والجمارك .. وكذلك وضع دور العبادة .. الخ.

 

– فتح المسلمون القدس سلمًا في عهد الفاروق عمر، استسلم أهلها وخرج القساوسة والرهبان لاستقبال خليفة المسلمين وتسليمه مفاتيح المدينة، فجاءت الاتفاقيات تنص على حقوق عظيمة وغير مسبوقة للنصارى في مدينتهم وفي كنائسهم، ولم يأخذ المسلمون أية كنيسة في القدس ليحولوها إلى مسجد، وكذلك فعل عمرو بن العاص حينما فتح مصر، في عهد الفاروق أيضًا (رغم إن مصر فتحت حربًا لا سلمًا)، وهذه هي سنة المسلمين في كل البلاد التي فتحوها.

 

– أما بالنسبة للقسطنطينية فإن الوضع كان مختلفًا، فقد رفضت التسليم، وظل المسلمون يحاصروها طيلة ثلاثة وخمسين يومًا، وعرض محمد الفاتح أكثر من مرة على أهلها التسليم فرفضوا، وهكذا تم فتحها عنوة وقسرًا وحربًا، وترتب على ذلك نتائج واتفاقيات مختلفة.

 

– كان من حق محمد الفاتح أن يفعل ما يريد، وهكذا يفعل الفاتحون في كل أنحاء العالم وعبر التاريخ، فأن تتحول قيادة البيزنطيين ورمزهم إلى مسجد فهذا أمر طبيعي، وكانت الكثير من الكنائس مهجورة في ذلك الوقت لأن الناس كانوا قد بدءوا في مغادرة المدينة قبل الفتح بعدة سنوات، وليست «آيا صوفيا» فقط التي تم تحويلها إلى مسجد، بل تم الأمر في عدة كنائس أخرى، بل تم إعطاء الأرمن كنائس، كما تم إعطاء اليهود كنائس ليحولوها إلى معابد.

 

– ورغم ذلك كله، اشترى محمد الفاتح الكنيسة ودفع ثمنها، وحجتها الأصلية موجودة، وهذا الأمر كان هو المرتكز الأساسي لقرار المحكمة التركية بإلغاء قرار مجلس الوزراء عام ١٩٣٤م بتحويل المسجد إلى متحف، ومنصوص في الحجة على تحويل الكنيسة لمسجد، ولو لم يبع البيزنطيون الكنيسة وقبضوا الثمن لما حولها محمد الفاتح إلى مسجد أبدا.

 

– لا ينفع نصحك إذا أردت أن تنصح الكارهين وتقول لهم: إنه عند سقوط الأندلس تم الاستيلاء على ممالك المسلمين حربًا وعنوة (وكان ذلك في غالب الإمارات والممالك)، لكن طليطلة استسلمت بدون حرب، وتم توقيع اتفاقية الصلح واعتمدها البابا بنفسه، وكانت تنص على عدم أحقية النصارى في الاستيلاء على مساجد المسلمين كما تنص على احترام خصوصيات المسلمين ودينهم وعدم جواز تنصيرهم .. الخ. ومع ذلك فقد تم تحويل كل المساجد إلى كنائس وتم تنصير المسلمين وقتلهم.

 

– الأصوات التي تعالت داخل الحركة الإسلامية مستنكرة ورافضة، تعبر عن ثقافة مأزومة ومهزومة، إنهم خائفون من ردود الفعل الغربية، ولهؤلاء نقول: إن القوم لن يرضوا عنا مهما فعلنا لهم ومهما رقصنا أمامهم ومهما اعتذرنا لهم، ليس المهم لهم أن نصبح على دينهم، نعم هم يريدون ذلك ويسعون إليه، لكنهم ممكن أن يكتفوا منا بأن نتبع منهجهم وثقافتهم ونسير على «الكتالوج» الذي وضعوه لنا. ولكن الذي لا يستطيع هؤلاء المهزومون فهمه هو أن لحظة إظهار السيادة والعزة هي لحظة معنوية فارقة في تاريخ الأمم والشعوب، وهو ما فعلته تركيا أردوغان .. تماما كما كانت لحظة سقوط «آيا صوفيا» لحظة معنوية ونفسية فارقة في نفوس الأرثوذكس والنصارى والغرب عمومًا، لأنها لحظة عبرت عن هزيمتهم وسقوطهم وذهاب دولتهم وإرغام أنوفهم وتبخر وزوال سيادتهم وإعلان ذلهم وصغارهم.

 

– إن القرار التركي جاء تصحيحًا لخيانة أتاتورك لدينه وأمته، فهل يعجبكم ويرضيكم استمرار هذه الخيانة؟ هل يرضيكم أن تكون دولة مسلمة كبيرة مثل تركيا لا تستطيع أن تمارس سيادتها على أراضيها وخاصة في أمر يمس دينها؟

 

– نختم ونقول: إن الثقافة المهزومة لا تأت إلا بالهزيمة وبالشر، كان السادات رئيسًا لمصر، وكان مهزومًا نفسيًا وثقافيًا أمام أمريكا، وكان يقول إن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا، وهذه قمة الهزيمة، وكان ينبغي له أن يقول إن 100% من أوراق اللعبة والحل في أيدينا نحن .. فبثباتنا وبجهادنا وبإيماننا بقضيتنا وبدفاعنا عن حقوقنا وبصبرنا، سنفرض إرادتنا، فأمريكا خصم رئيسي لنا والحل الذي ستفرضه لن يكون بأي حال في صالحنا، والعجيب أن الأمريكان والغربيين عمومًا يعلنون ذلك صراحة ولا يخفونه ويتباهون بدعم الصهاينة علنا، إنما المهزومون من بني جلدتنا لا يخدعون الناس فقط .. بل يخدعون أنفسهم أيضًا. وكانت نتيجة هذه الهزيمة النفسية هي توقيع الرئيس المهزوم على اتفاقية «كامب دافيد» الكارثية .. التي كانت أهم أسباب انحدار مصر وتدهورها وتقزيمها وتهميشها وتراجعها الخطير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى