آراءمقالات

السياسة في حياة نجيب محفوظ

طارق فكري
Latest posts by طارق فكري (see all)

خرج نجيب محفوظ من حي الجمالية وقد تكونت مفاهيمه وانبرت طموحاته وتعالت تطلعاته مختلطة بآلام أهلها وأفراح ساكنيها؛ليصبح قبضة خصبة من طينها وعرقاً حياً من جيدها ودمعة ساخنة من مآقيها.

– شخصية نجيب محفوظ كانت نموذجا شعبيا للحارة التي تربى فيها بما تحمله الحارة من إيجابيات وسلبيات وبما تتسم به من بساطة وتسامح وهما الصفتان المميزتان لنجيب محفوظ.

– كما كان للحارة دورا في فكره وتعبيره السياسي من حيث الإيجابية والسلبية تجاه الوضع السياسي حيث يظهر أحيانا في جلساته مع زملائه وتلاميذه على قهوة على بابا وهو جالس يستريح في منتصف الطريق بين بيته وجريدة الأهرام، أو يبديها لبعض المقربين منه في زياراتهم له، وكما يروي الغيطاني في إحدى زياراته له في المستشفى ـ قال لهم «نفسي أروح الحسين». وحين قرأوا له عناوين الصحف بدا متأثرا وحزينا، وقال «إيه الكارثة اللي في لبنان دي، المفروض العالم يتدخل لإيقاف المذبحة، هذه حرب غير متكافئة وضحاياها من الأبرياء». وصمت قليلا ثم كرر بصوت فيه نبرة حادة وغضب «دي كارثة بكل المقاييس»، ولم يفكر الأديب أن يسل قلمه غاضبا أو مسترجيا أو حتى معبرا برواية عن حزنه تجاه لبنان، ولكن ظهر جليا لمن حوله أنه يُجنب أعماله المعارضة السياسية حتى لا يصطدم مع الأنظمة الحاكمة فهو من الأدباء المعدودين الذين لم يدخلوا السجن بسبب آرائهم.

وقد وصفه بعض المراقبين بالجبن وهو ما أثارته وأثبتته الدكتورة سيزا قاسم أثناء مناقشة كتاب محمد شعير عن السيرة المحرمة.

– كانت الروايات السياسية لنجيب محفوظ جُلها يتحدث عن أحداث سياسية مضت ومضت معها أنظمتها الحاكمة حرصا منه على عدم المواجهة مع السلطة، وتجسد هذا بالفعل في ثلاثيته الشهيرة «بين القصرين، قصر الشوق، السكرية»، والتي تؤرخ للفترة ما بين 1917 إلى 1944، ومن خلال جيلين أحدهما قام بثورة يوليو، وضحى من أجلها والآخر حصد ثمارها، ما عدا رواية ثرثرة فوق النيل التي تكلم عنها نجيب محفوظ في إحدى حواراته قائلا : الذي أتذكره أن ثروت عكاشة كان يستعد للسفر إلى أوروبا حين سأله عبد الناصر: هل قرأت “ثرثرة فوق النيل” فأجابه: لا.. ليس بعد. فقال عبد الناصر اقرأها وقل لي رأيك، ولذلك أخذها معه ثروت عكاشة وقرأها وفهم سبب سؤال عبد الناصر، كان سؤالاً غاضباً، وقد خشي ثروت من أن يصيبني ضرر ولو كان بسيطاً كالإحالة إلى التقاعد، أو نقلي إلى مكان آخر، وقابل عبد الناصر حين عاد، وقال له: يا سيادة الرئيس أصارحك بأنه إذا لم يحصل الفن على هذا القدر من الحرية فلن يكون فناً، فقال عبد الناصر: وهو كذلك اعتبر الأمر منتهياً.

وهكذا استخدمت روايته كديكور للمعارضة وماكيت للحرية في عهد عبد الناصر، ولم يعاودها نجيب محفوظ مرة أخرى.

– رحل عبد الناصر وبقى نجيب محفوظ حيا ليقف مؤيدا للرئيس أنور السادات ومساندا له في اتفاقية كامب ديفيد، وكان للكاتب والأديب.

يوسف إدريس رأي متفردًا في حصول محفوظ على الجائزة العالمية بأنها «مكافأة» له على موقفه المؤيد لاتفاقية «كامب ديفيد» وعملية السلام مع إسرائيل. وقال إدريس وقتها إن مسئولين بالأكاديمية السويدية عرضوا عليه الحصول على الجائزة مناصفة مع كاتب إسرائيلي لكنه رفض بشدة. وحسب مقربين من محفوظ لم يكف إدريس عن مهاجمته، إلا بعد تدخل من القيادة السياسية آنذاك، وهذا يوضح أن نجيب محفوظ عندما أخذ موقفا سياسيا معلنا لم يستطع أن يكون في صفوف المعارضة.

– هل الموقف السياسي للأديب من كامب ديفيد موقف مبني من قناعاته أم هو نفاق سياسي لاتقاء بطش السلطة؟

الإجابة على هذا السؤال تظهر في روايته “يوم مقتل الزعيم ” خطها نجيب بقلمه سنة ١٩٨٥ أي بعد مقتل الرئيس السادات فأظهرت تناقضا بين أفكاره السياسية وأعماله الدرامية السياسية قال على لسان أحد أبطال روايته «لا خلاص إلا بالخلاص من كامب ديفيد». وبلغت السخرية مبلغها حين سخر بشكل رمزي واضح من شخصية السادات نفسه «الفعل لمناحم بيجين والزي لشارلي شابلن»، كما تضمنت الرواية نقد وسخرية من سياسة الانفتاح التي قادها السادات، فهل تحول نجيب محفوظ في عمله الأدبي إلى الشيطان يعظ؟

يُبدي للناس عكس ما تقول أعماله الادبية، فهو لم يجمع بين الرأيين السياسيين في كامب ديفيد داخل الرواية، لنقول ان الرواية كانت ترصد حال المجتمع تجاه توجه سياسي؛ إنما كانت ممثلة لفكر الكاتب تجاه حكم سلطوي بعينه.

 – الأديب هو المرشد الروحي والموجه النفسي وأداة التثقيف الوعيي لقرائه فلا خير فيه إن لم يقلها ولا خير فينا إن لم نسمعها.

– عندما تنشر صورة لنجيب محفوظ وهو يرتدي بالطو سميكا، مصافحا مبارك وهو منحني الرأس باسم الثغر لدلت دلالة واضحة على انحناء الرجل للسلطة على مر العصور، رغم أنه منتقدهم في جلساته الحميمية، وكان الأديب راضيا كل الرضى عن مبارك وحكمه وهذا ما ابداه في إحدى اللقاءات الصحفية عندما سئل: وماذا تقول لمبارك اليوم؟‏!.‏

‏”أقول له معك كانت الديمقراطية والحرية‏..‏ وأنت مثال للاتزان وضبط النفس وهو ما جعلنا نشعر بالاطمئنان منذ بداية عهده وحتى يومنا هذا‏”، ورأي نجيب محفوظ في مبارك لا يُلام عليه، وقد طالب من نظام مبارك السماح للإخوان بممارسة حياة سياسية تشاركية؛ لما كان بينه وبين الإخوان من علاقة جيدة، ولكن لو امتدت الحياة بنجيب محفوظ هل كان يكتب رواية يطلق عليه “يوم خلع الزعيم”.

– رحل نجيب محفوظ وكان سمحا بسيطا متواضعا أديبا أريبا نظيف اليد قابضا يده بعيدا عن المعارضة السياسية.

رحم الله نجيب محفوظ…

مقالات الكاتب طارق فكري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى