الأمة الثقافية

“السابعة”.. قصة: ناصر صلاح

ناصر صلاح

 

الثالثة بعد منتصف الليل.. القمر يسـبّح ربه في السماء، ويؤم النجوم للصلاة، أغصان شجرة حمّاد التي تتوسط داره المجاورة لدار جدي تتراقص على أنغام نسيم الفجر العليل المكتسي بالندى والمتطيب برائحة الغيطان الأقحوانية.

صوت الشيخ محمود أبو فوزية يأتي من مسجد ابن سلام يعلن عن طلوع الفجر .. صوته ملائكي .. أحبه كثيراً حتى أنني عندما أكون بالقاهرة في أجازات الدراسة أستيقظ فجراً وكأن صوته في أذني.

في وسط الدار يقف جدي محمود ينادى أفراد أسرته: يا أنيسة الوقت أزف، يا بنات قوموا جهزوا الحاجَة المسافرة .. يلا عشان تلحقوا تخبزوا وتلموا الجبنة من الحصيرة، لازم نخرج من البلد قبل الساعة سبعة عشان نكون في مصر إن شاء الله قبل الحر.

تخرج جدتي من غرفتها وهى تدعك عينيها: يوه يا محمود أنت متسربع على إيه؟ وحر إيه اللي انت خايف منه! إحنا في الشتا يا راجل.

تصطدم جدتي بعتبة الباب وتكاد تقع لكنها تستند على الحائط ويلحق بها جدي ممسكاً بيديها فتقول غاضبة: عجبك كدا لو كت وقعت كات الشرشرة اتغرزت في قلبي.

يرد جدي باسماً: بعد الشر عنك يا جميل.. يلا بطّلى كسل يا أنيسة.
تخرج خالاتي تباعاً من غرفتهن قائلات في تثاؤب:
صباح الخير يابا.
صباح الفل يا بنات..

شدوا حيلكم عاوزين نمشي الساعة سابعة عشان نلحق قطر تمانية في المركز.. يا محمد قوم شد شوال الرز من المقعد وتعالى افطر عشان تجيب صبحي يوصلنا بالعربية للمركز.

تنقسم الدار إلى قسمين، قسم لدى الفرن والزريبة حيث جدتي وخالاتي الثلاث ما بين حالبة وخابزة، وقسم وسط الدار حيث تقوم والدتي بتجهيز الفطار.. وعلى المصطبة يجلس جدي مع تباشير الصباح مداعباً أخي أحمد الذي لم يتجاوز عمره الثلاث سنوات، فقد توفى والدي ولم يبلغ أحمد عامه الأول، كنت فى الحادية عشر من عمري، وكان كمال أخي في التاسعة، أخذني جدي من القاهرة خوفا من شدة أبي معي عند مذاكرته لي.

كان جدي يحبني كثيراً وقال يومها لوالدي: يا صلاح الواد دا مش هينفع كدا لازم أخده معايا البلد، وليتني بقيت بالقاهرة لأشبع من أبي قبل وفاته.

تدخل والدتي بطعام الإفطار وتعود بالجوزة إلى جدي .. يطلب منها الإسراع بالاستعداد للسفر، فقد كانت في زيارة سريعة للبلد للاطمئنان عليّ، وسوف يقوم جدي بتوصيلها والراحة من الوشوش العكرة شوية كما سمعته يقول لجدتي.

الساعة الآن السابعة تماما..
– كل شىء جاهز يا اولاد؟
– كله تمام يابا تروح وترجع بالسلامة.

– مش هتأخر كلها كام يوم أستريح من قرفكم وقرف الغيط وارجع على طول.. ياض يا ناصر ذاكر كويس مش ان غاب القط العب يا فار.. يا محمد ..
– لسه ماجاش يابا..
– مش هينفع الكلام دا.. يلا يا بنات وصلونا للكوبرى ناخد أي عربية.

مع إلحاح جدي تحرك الركب يتقدمه هو، وبيده أحمد وخلفهما أمي وخالاتي تحملن ما أعد للسفر ويسرن في طابور عرضه فرد واحد.. كأنهن يخرجن إلى المقابر للزيارة ويحملن قرص الرحمة على رؤسهن.

في السابعة مساءً أضع رأسي فوق فخذ جدتي قائلاً: فليني يا ست
فتقول: فز قوم بطّل مياعة، هو سيدك يريحني منه تطلع لى أنت.

قبل أن تكمل جدتي قولها يأتي إلى مسامعنا صراخ وهمهمات وأبواق سيارات وكأن مظاهرات بالخارج.

تنتفض جدتي: دا صوت حميدة بنتي.. ايه جابها من مصر.. أستر يارب ..افتحوا الباب يا اولاد.

أمام الدار كانت والدتي ثوباً من الدموع وخالتى المقيمة في القاهرة تصرخ: ليه يابا لسه بدري يابا مالحقتش اشوفك يابا.

أغرورقت عيناي بالدموع فكانت كلمات خالتي كفيلة بإعلان ما حدث.
امتلئت الدار بالصراخ والعويل، وجدتي مازالت في ذهول.. تارة تبكي، وتارة تندب، وتارة تصمت طويلاً كأنها ماتت ونار الحزن بقلبها تكاد تحرق من حولها.

في خارج الدار كأن البلدة بأثرها تجتمع لأمر مهم كانت الوجوه تحمل جبالاً من الدهشة وهضاباً من الحزن.

قال أحدهم: عمي محمود.. مستحيل.. دا لسه مصبّح علىّ في الغيط وهو مسافر الصبح.

وقال آخر: أنا بايت معاه تلات أيام في الغيط الأسبوع اللي فات وكان زى الفل.

وكثرت الهمهمات التي لا يُفهم منها سوى أن جدي لا بُد وأنه مات في حادثة، وبين أهل القرى دائما من يستهويه تأليف الحكايات لدرجة أنهم اتهموا والدتي بقتله في مصر ونسجوا لذلك أسباباً وأسباباً في مخيلتهم.

دخل خالي فتحي الذي كان يكمل دراسته الجامعية بالقاهرة إلى إحدى غرف الدار، حيث وضع جثمان جدي في كفنه، ودخل معه بعض كبار العائلة .. قال لهم: يا جماعة أبويا مات موتة ربنا.. وقع من كريمة في ميدان رمسيس، جت له أزمة مفاجئة، والحمد لله ربنا وقف معاها، جت بيه للبيت في عربية، ورغم أن الناس اتلموا عليها في رمسيس، لكن كلمت أبوها كأنه عايش وقالت دا كلام يابا، تاني مرة تقع كدا هات الشيل دي عنك، وفوجئت بمدد ربنا اتنين شباب شالوا أبويا وحطوه في عربيتهم، وفي البيت؛ الدكتور ما كنش مصدق إنه مات، وقال دي غيبوبة سكر، لكن بعد الاختبارات صرّح بدفنه، خرج الجميع مقتنعون برواية خالي ليردوا بها على المشككين في الوفاه.

ما زالت جدتي في ذهول تحدث نفسها: كنت متسربع يا محمود رايح لقدرك.
اشفقت عليها أمي التي تعودت على تحمل هذه المواقف منذ أن مات أبي ذات فجر على صدرها، وتركنا صغارا لتواصل رسالته معنا..
قالت: يا امة قولي إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله، فرددت جدتي خلف والدتي، لكن غلبتها الدموع فاحتضنتها أمي وبكتا

سمعنا صوت الشيخ محمود أبو فوزية ينعي جدي ويعلن عن صلاة الجنازة والدفنة.. هذه المرة كرهتُ صوت الشيخ محمود كرهاً شديداً.

خرجت القرية قاطبة لتشييع الجنازة، لم أر جنازة مثلها من قبل، رغم أن الساعة الآن الثامنة مساءً في شتاء القرية المطلة على التلال، صفوف أهل القرية والقرى المجاورة لها والقادمون من القاهرة خلف الجنازة في سياراتهم كأنهم يزفون عرساً،

لا لا بل تسير الصفوف في سكون كأنه جيش مقهور ينسحب من معركته.
سرت خلف النعش تراود ذاكرتي مشاهد قديمة بيني وبين الجد الحبيب
عن يميني خالي يضع يده على كتفي قائلاً في حنان ووهن: ما تزعلش كأن جدك موجود بالضبط.
وعن يسارى عمي يربت على كتفي هو الآخر قائلاً: إن شاء الله تخلص الإعدادية السنادي وأحولك للقاهره وتبقى مع أمك واخواتك وأنا هارعاكم إن شاء الله.

وما زالت المشاهد القديمة تراود ذاكرتي وأتمتم: نعم لقد لحق جدي بقطار الثامنة المريح جدا، ولكن الثامنة مساءً ونجا من الحر الشديد الذي كان يخشاه.

وضع جدي في مقبرته، وبدأ انسحاب الجيش للمرة الثانية من المقابر حاملين الكلوبات مصدر الضوء الوحيد للقرية التي لها عضواً بمجلس الشعب.

وقفتُ وحدي أمام قبر جدي رغم الظلام الدامس بلا خوف .. يااااه عندما كنت أستيقظ في منتصف الليل لأتبول ورغم وجود اللمبة السهاري وسط الدار كنت لا أبرح الغرفة، وعندما كان يشعر جدي بي يأتي صوته من الغرفة المجاورة: ما فيش فايدة يا جبان يا ابن ال… لسه بتخاف يا أبو طويلة..
ما زلتُ أمام المقبرة أتذكر عدة أشياء حدثت اليوم.

أولها: بعد صلاة الظهر قرأت القرءان بصوت عالٍ حزين وبكّاء لمدة طويلة على غير العادة حتى أن خالتي قالت لي: بتولول على مين؟.

ثانيها: ونحن نتناول الغداء عصر اليوم قالت جدتي: أبوكم كان كل يوم قبل ما ينام يقول: (اللهم أحيني غداً أصنع صالحاً ترضاه وتمحو لي به خطيئه) من أربعين سنة على كدا، إلا امبارح قال (اللهم إني اسألك رضاك والجنة وأعوذ بك من غضبك والنار) وصمتت جدتى طويلاً.

ثالثها: آه نسيت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى