آراءمقالات

  الزاهدون.. الفُضيل بن عياض (2)

Latest posts by حمدي شفيق (see all)

وأحسب أن الفُضيل قد صدق ما عاهد عليه رَبّه، فرفعه وأعلى قدره، حتى شهد له الكافة، ورضوا قوله ونُصحه.. ومنهم الخليفة هارون الرشيد الذي كانت له معه واقعة مشهورة، سطرها التاريخ بأحرف من نور..

 

فقد جاء الخليفة هارون الرشيد، رحمه الله، إلى مكة لأداء فريضة الحج.. وذات ليلة طلب من وزيره -وكان رجلاً صالحًا- أن يدلّه على بعض الصالحين، ليجالسه وينتفع بعلمه ونصحه.. فدلّه أولًا على رجلين، لم يجد الرشيد عندهما ما يريد، فأحسن إليهما، وانصرف عنهما. وجاء الوزير بالخليفة في المرّة الثالثة إلى باب الفضيل بن عياض، رضى الله عنه..

 

أبى الفضيل أن يفتح لهما الباب، خشية الفتنة بالسلطان، ثم أقنعه الوزير بأن في عنقه بيعة للخليفة، ولا يحل له الامتناع عن إسداء النصح له أو كتمان الحق عنه.. ووافق الفضيل -بعد إلحاح شديد- لكنه لم يشعل المصباح لهما.. دخل الخليفة ووزيره الدار المتواضعة، وجلسا إلى جانب الفضيل في الظلام الدامس. ومدّ الخليفة يده للسلام على الفضيل الذي بادره قائلًا: “يا لها من كف! ما ألينها، إن نجت من عذاب الله تعالى غدًا”.

 

ومضى الفضيل في عظته يقرع مسامع الخليفة بأشد عبارات الإنذار والوعيد والتخويف من الظلم والطغيان والاستبداد، وأوصاه بأبناء المهاجرين والأنصار، فقد كانت سيوف آبائهم وتضحياتهم هي التي مهّدت له -ولأسلافه من قبله- طريق الحكم والسلطة، ليقيموا شرع الله، وليحكموا بين الناس بالعدل والإحسان..

 

بكى الرشيد من شدّة وقع عظات الفضيل، رضي الله عنه، على قلبه ونفسه، وسأله المزيد، فقال له الفضيل: “إياك أن تصبح أو تمسى وفي قلبك غش لأحد من الرعية، فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: “من أصبح لهم غاشًّا لم يرح رائحة الجنّة”

(الحديث رواه البخاري ومسلم عن مسلم بن يسار رضي الله عنه).

 

وفى نهاية الجلسة رفض الفضيل بشدة قبول منحة مالية ضخمة من الرشيد -رغم حاجته الشديدة- فانصرف الخليفة وهو يقول لوزيره: “إذا دللتني فدلّني على مثل هذا، هذا سيد -من سادات- المسلمين” انتهى..

 

وهذه شهادة للرشيد أيضًا -رحمه الله- بأنه كان حاكمًا عادلًا، لا يضيق بالنصائح ولا بالعظات ولا بكلمة الحق، مهما اشتدت لهجة العالم أو الواعظ، طالما كان يريد الحق والخير والإصلاح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى