آراءمقالات

الدعوة إلى الإسلام بين التبشير والتنفير

Latest posts by د. يوسف القرضاوي (see all)

التبشير:

كل دعوة تحبب الله تعالى إلى عباده، وترغبهم في عبادته وطاعته، وتقودهم بحب ورفق إلى اتباع صراطه المستقيم.

 

فالتبشير في نظري يتعلق بجانب الدعوة، كما أن التيسير يتعلق بجانب الفتوى، وإذا وفق العالم المسلم إلى اتباع منهج التيسير في الفتوى، والتبشير في الدعوة، فقد أوى إلى ركن ركين، وهدي إلى صراط مستقيم…

 

هناك صورة جاذبة، وصورة طاردة، صورة مبشرة، وصورة منفرة، وإنما نكسب مَنْ حولنا بالصورة المبشرة..

 

هناك أناس يقدمون الإسلام في صورة تقشعر من هولها الجلود، وترتعد من قساوتها الفرائض، وتوجل من ذكرها القلوب.

 

إنه الإسلام الذي يدعو إلى «اللفظية» في العقيدة، و«الشكلية» في العبادة، و«السلبية» في السلوك، و«السطحية»في التفكير، و«الحرفية» في التفسير، و«الظاهرية» في الفقه، و«المظهرية» في الحياة.

 

إنه الإسلام المقطب الوجه، العبوس القمطرير، الذي لا يعرف غير العنف في الدعوة، والخشونة في المجادلة، والغلظة في التعامل، والفظاظة في الأسلوب.

 

إنه الإسلام الجامد كالصخر، الذي لا يعرف تعدد الآراء، ولا يعترف بتنوع الاجتهادات، ولا يقر إلا بالرأي الواحد، والوجه الواحد، ولا يسمع للرأي الآخر، ولا للوجهة الأخرى، ولا يرى أحدهم أنه رأيه صواب يحتمل الخطأ، وأن رأي غيره خطأ يحتمل الصواب، بل رأيه هو الصواب الذي لا يحتمل الخطأ، ورأي الآخرين هو الخطأ المحض الذي لا يحتمل الصواب بوجه.

 

إنه الإسلام الذي ينظر بريبة إلى المرأة، فهو يدعو إلى حبسها في البيت، وحرمانها من العمل، ومن المشاركة في الدعوة والحياة الاجتماعية والسياسية.

 

إنه الإسلام الذي لا يعنيه العدالة في توزيع الثروة، ولا توكيد قاعدة الشورى في الحكم، ولا إقرار الحرية للشعب، ولا مساءلة اللصوص الكبار عما سرقوه وما اقترفوه، ولا تحذير الناس من الوقوع في براثن التبعية للقوى الأجنبية، أو الاستسلام للقوة الصهيونية التوسعية العدوانية، لكن يشغل الناس بالجدال في مماحكات لفظية، وفرعيات فقهية، وجزئيات خلافية، في العبادات أو المعاملات، لا يمكن أن ينتهي فيها الخلاف.

 

إنه الإسلام الذي يتوسع في منطقة التحريم، حتى يكاد يجعل الحياة مجموعة من المحرمات، فأقرب كلمة إلى ألسنة دعاته، وأقلام كتابه: كلمة «حرام».

 

إن الإسلام المنشود، هو الإسلام الأول، إسلام القرآن والسنة، سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وسنة الراشدين المهديين من بعده .. إسلام التيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير، والرفق لا العنف، والتعارف لا التناكر، والتسامح لا التعصب، والجوهر لا الشكل، والعمل لا الجدل، والعطاء لا الادعاء، والاجتهاد لا التقليد، والتجديد لا الجمود، والانضباط لا التسيب، والوسطية لا الغلو ولا التقصير.

 

إسلام يقوم على عقيدة روحها التوحيد، وعبادة روحها الإخلاص، وأخلاق روحها الخير، وشريعة روحها العدل، ورابطة روحها الإخاء، وثمرة ذلك كله حضارة روحها التوازن والتكامل.

 

هذا الإسلام وحده هو الذي يقربنا من العالم، ويقرب العالم منا، وهو الإسلام الذي تتبناه الصحوة الإسلامية، أو ما يجب أن تتبناه الصحوة بكل فصائلها، فلا يخفى أن من فصائلها ما هو في حاجة أن يتجاوز طور المراهقة إلى الرشد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى