آراءمقالات

الحسن البصرى فى مواجهة الحجّاج الثقفى

Latest posts by حمدي شفيق (see all)

يُوهم البعض أنفسهم وآخرين أن منهج السلف هو الخضوع للحكّام الظالمين، ومُداهنتهم، بحُجة حقن الدماء، والخضوع للحاكم المُتغلّب بالقوة، ومُسايرته فى باطله.. وهذا كذب وافتراء وبهتان.. فهناك مواقف خالدة لأعلام السلف الصالح تُثبت عكس ذلك تماما.. ونذكُر منها اليوم أحد مواقف العلم التابعى الجليل الحسن البصرى رضى الله عنه، فى مواجهة السفّاح الحجّاج بن يُوسف الثقفى طاغية العراق فى عهده.و من ذلك أن الحجّاج بنى لنفسه قصرا فخما في مدينة “واسط” بين البصرة والكوفة. وعلم الحسن بذلك فخرج إلى الناس ليعظهم، ويُحذّرهم من الاغترار بتلك الزخارف الزائفة، ويُذكّرهم بأن ما عند الله خيرُ وأبقى.. وكان ممّا جهر به التابعى الجليل قولته الخالدة: (لقد نظرنا فيما أبتنى أخبث الأخبثين، فوجدنا أن فرعون شيّد أعظم مما شيّد، وبنى أعلى مما بنى، ثم أهلك الله فرعون، وأتى على ما بنى وشيّد.. ألا ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غشّوه) ومضى على هذا المنوال ينتقد الحجاج ويهجوه علانية جهارا نهارا، حتى أشفق عليه تلاميذه، وناشدوه الكفّ، خوفا على حياته.. فردّ عليهم ولى الله بأعلى صوته:

(لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبينّنه للناس ولا يكتمونه).. و بلغ كلامه مسامع السفّاح، فجاء إلى مجلسه وهو يكاد ينفجر غضبا وغيظا من الحسن.. وصاح فى رجاله: (تباً لكم وسحقاً.. يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة، ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يردّه أو يُنكر عليه!!‍ والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبناء).

وأمر بالسيف والنطع فأُحضرا، ودعا الجلّاد فمثل واقفاً بين يديه.. ثم أمر الشرطة فجاءوا به.. فلمّا رأى الحسن السيف والنطع والجلّاد تحركت شفتاه، ثم توجه إلى الحجّاج في عزّة المؤمن وثباته.. وما أن رآه الحجّاج حتى هابه، وناداه برفق وتلطف، وسط دهشة الحاضرين: ها هنا يا أبا سعيد.. ها هنا (أى تفضّل هنا) ومازال يوسّع له ويقول: ها هنا، حتى أجلسه بجانبه.. وأخذ يسأله عن بعض أمور الدين، ويجيبه الحسن -بكل هدوء وطمأنينة- وعندما فرغ قال له الحجّاج:

أنت سيد العلماء يا أبا سعيد!

ثم طيّب له لحيته بأغلى أنواع الطيب، وودّعه بكل احترام وإجلال.. وبعد خروج الحسن، تبعه الحاجب، وقال له مذهولا: يا أبا سعيد، والله لقد دعاك الحجّاج لغير ما فعل بك، وأنى رأيتك عندما أقبلت، ورأيت السيف والنطع، حركت شفتيك، فماذا قلت؟ فأجابه الحسن: دعوت الله قائلا:

((يا ولى نعمتي، و ملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردا وسلاما علىَّ، كما جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم)).

رضى الله عنه و أرضاه.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى