آراءمقالات

الحرية الضائعة في الرأسمالية والاشتراكية

محمد السخاوي
Latest posts by محمد السخاوي (see all)

خلق الله الإنسان حرا وجعل الحرية طريق الإنسان للإيمان به وإفراده بالعبادة وحده، ولأن الحرية هي الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها فإنها تعتبر غاية ومقصد كل إنسان، وغاية الناس جميعا، اقتضت الحرية أن يكون الإنسان دائما في وضع الاختيار واقتضى الاختيار أن يتجاذب النفس الإنسانية قطبان، قطب الفجور وقطب التقوى، ينتج عن اجتماع القطبين في الذات الإنسانية الشخصية البرجماتية، النفعية، الفردية. وأن تقدم المجتمعات على قانون البقاء للأقوى، وأن يكون عدم التوازن بين متطلبات حرية الفرد ومتطلبات حرية الجماعة هو القاعدة التي تقوم عليها كل الأبنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للجماعة، فإما أن تكون هذه الأبنية مرتكزة على قاعدة طغيان حرية الفرد على حرية الجماعة أو تكون قائمة على طغيان حرية الجماعة على حرية الأفراد.

قدم لنا التاريخ الأوربي السياسي والاقتصادي والاجتماعي النموذجين الفردي والجماعي,تمثل الأطوار العبودية والإقطاعية والرأسمالية النموذج الأول، وتمثل الشيوعية النموذج الثاني، فانتقال أوروبا من مرحلة الطور الاجتماعي العبودي إلى طور الإقطاع كان بحثا عن الحرية المفتقدة في المجتمعات العبودية، وانتقالها من مرحلة الطور الإقطاعي لمرحلة الطور الرأسمالي كان بحثا عن الحرية المفتقدة في النظام الإقطاعي، ولكن الرأسمالية لم تقدم حلا لمشكلة الحرية، مشكلة التوازن بين حرية الفرد والجماعة بل إن الرأسمالية فاقمت المشكلة وحولتها من مشكلة محلية قارية إلى مشكلة عالمية أممية وذلك عندما تحولت الرأسمالية إلى الاستعمار، وتحول الاستعمار إلى إمبرالية وتحولت الإمبرالية إلى عولمة وأصبح العالم كله كميونة رأسمالية، قلة رأسمالية متوحشة تعيش على نهب ثروات العالم وتحافظ على هذا التعايش وتحميه بمختلف أنواع أسلحة الدمار الشامل، لهذه الطبقة الرأسمالية المتوحشة رأس وذيل، رأسها في الشمال وذيلها في الجنوب ومثلما ارتفع سقف الاستغلال وتوسعت مساحته مع تحول الرأسمالية إلى استعمار تضخمت مشكلة الحرية واتسعت فشملت كل شعوب وأممم آسيا وأفريقيا وأمريكيا اللاتينية وأصحاب الأرض الأصليين في أمريكا الشمالية واستراليا وتعمقت، حيث أن هذه الشعوب أصبحت تعاني قهرين:

قهر المستعمرين،

وقهر وكلائهم المحليين،

ليس هذا فقط بل إن الرأسماليين عملوا على إرساء قواعد التفكيك الاجتماعي والسياسي للشعوب المستعمرة، فزرعوا فيها بذور الفتنة الطائفية والعرقية والجهوية كما عمدوا على تجزيء وتفسيخ هذه الأمم والشعوب، وخلق التناقض بين وحدتها القومية و معتقداتها الدينية تمهيدا لاستبدال العلمانية بالاثنين.

حاول الاشتراكيون بجناحيهم الخيالي والعملي أن ينقذوا الناس من قهر وبؤس واستغلال الرأسمالية، برر ماركس فشل الاشتراكيين الخيالي بأنهم كانوا إصلاحيين غير ثوريين، بمعنى إنهم عملوا على إصلاح النظام الرأسمالي من داخله أي تحويل الرأسمالية إلى اشتراكية بدون ثورة عمالية، لذلك فإن مركس توج بيانه الشيوعي بشعار “يا عمال العالم اتحدوا”، ذلك في مقابل وحدة الطبقة الرأسمالية أمميا، قدم ماركس وإنجلز تحليلا علميا معمقا وصحيحا للرأسمالية من حيث نشأتها وتطورها، ليست للرأسمالية فقط إنما للتاريخ الاقتصادي الأوربي كله وانتقال أوروبا من المرحلة العبودية للإقطاعية ومن الإقطاعية للرأسمالية, ولكنه افتقد العلمية في تحديده عوامل الانتقال من الشيوعية البدائية “المجتمع اللاطبقي” إلى المرحلة العبودية “بداية الانتقال الأوربي إلى الأطوار الطبقية”، ذلك لأنه صك وجود الملكية كقاعدة للاستغلال والانقسامات الطبقية، لم يضع ماركس تصميما تفصيليا للنظام الشيوعي تلتزم به الطبقة العاملة في بنائها للنظام الثوري وإنما اكتفى بالقول بالتأميم الشامل وإلغاء الملكية الفردية، ولما انتصرت الثورة البلشفية في روسيا القيصرية، وأقامت دولة الاتحاد السوفيتي التزمت بذلك، أممت كل أنواع الملكية لبناء المجتمع والنظام الشيوعي، فانهارت الدولة والمجتمع وعمت الفوضى والإفلاس، واستمرت هذه الحالة الفوضوية حتى 1923، في هذه السنة قرر لينين تأجيل البناء الشيوعي واستبداله بالاشتراكية كمرحلة انتقال للشيوعية، والفرق بين الشيوعية والاشتراكية واضح من طبيعة القاعدة التي حكمت سير الحياة في كليهما، القاعدة الشيوعية، من كل حسب عمله ولكل حسب حاجته، أما القاعدة التي حكمت المرحلة الاشتراكية، من كل حسب قدرته ولكل حسب عمله، وعليه فإنه تم تأجيل الشيوعية والأخذ بالاشتراكية، تحت العودة إلى نظام السوق بوظيفة تأثيرية في العلاقة بين العرض والطلب، ووجود السوق بهذه الوظيفة سمح بوجود شكل ضئيل من الملكية، وبعد الحرب العالمية الثانية انقسم العالم إلى معسكرين، الأول رأسمالي بقيادة أمريكا والثاني اشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، ودارت بين المعسكرين نوعين من الحرب، حرب باردة وحرب ساخنة، وبالإضافة إلى هذه المشكلة التي واجهت الاتحاد السوفيتي فإنه واجه مشكلة أخطر, وهي مشكلة الحرية في الدولة السوفيتية ذاتها.

نجح ماركس في تحديده العلمي للرأسمالية ومألها، ولكنه لم ينجح في تقديم الحل للحرية المفتقدة فيها، لأن الملكية سبب في وجود الاستغلال وفقدان الحرية ولكنها ليست السبب الوحيد، أو السبب الأهم، السبب الأهم هو فقدان الأيديولوجية الشاملة في مسألة الحرية، القائمة على التوازن بين حرية الفرد وحرية الجماعة بدون طغيان إحداهما على الأخرى، وبدون تمييز بين الناس على أساس من الدين والعرق واللون والجهوية، الحرية لا تتجزأ، فمن يقبل استعباد الآخرين يقبل أن يكون عبدا، وقد حلل ذلك وشرحه بشكل رائع المنظر الإفريقي الأصل الفرنسي الجنسية فرانتز فانون في كتاباته وبالذات كتابه الإنسان ذو البعد الواحد، الكتاب الذي نظر للحركة الطلابية في فرنسا وأوروبا في أواخر الستينات، وهو الكتاب الذي بين فيه كيف حولت الرأسمالية الناس جميعا مالكين وعاملين إلى مجموعة من المستهلكين عبيدا للمادة والعجلة الإنتاجية للنظام الرأسمالي، وعلى العكس مما قاله ماركس فإنه اعتبر الشرائح الطلابية الشرائح الوحيدة المؤهلة للثورة والانتفاضة على الرأسمالية لأنها خارج دائرته.

فشل ماركس في محاولته تقديم حل لمشكلة الحرية لأنه كان ماديا و كان يبحث عن الحرية في الواقع المادي (أسلوب الإنتاج)، وهو في ذلك كان متسقاً مع التاريخ الحضاري والثقافي الأوروبي الذي غلبت عليه النزعة المادية، في حين أن الحرية قضية إنسانية، حلها يحتاج إلى نظرية في الإنسان وأيديولوجية إنسانية شاملة، وهو لم يلغ الملكية ولا الاستغلال الطبقي بالتأميم وإنما كل ما أحدثه التأميم هو نقل الملكية، ملكية الثروة القومية من حوزة الطبقات الرأسمالية التقليدية إلى حوزة الطبقات الجديدة للأحزاب الشيوعية الحاكمة، هذه الطبقات الجديدة كانت الأشد قسوة في ممارساتها للاستغلال والقهر، وهو ما أطلق عليه علماء الاقتصاد مصطلح رأسمالية الدولة، لقد حدث تزاوج جديد بين الثورة والسلطة بسبب فقدان المادية الماركسية لنظرية وأيديولوجية إنسانية كاملة في الحرية، ولا زالت أزمة الحرية تتفاقم في الدنيا كلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى