آراءمقالات

التماسك النصي في سورة الإخلاص

Latest posts by هاني محمود علي (see all)

التماسك النصي هو أحدُ المصطلحاتِ التي أفرزها علمٌ حديث نسبيا ظهرَ في سبعينيات القرن الماضي، وهو علمُ النص الذي يتعامل مع النص باعتباره الوحدة الدلالية الكبرى القابلة للتحليل والوصف.

ويشير مصطلحُ التماسك النصي إلى ترابط أجزاء ومفاهيم النص، باعتباره – ضمن شروط أخرى – شرطا (معيارا) جوهريا من شروط (معايير) بنية أي نص.

وهذا التماسك يتحقق عبر آليتين في بناءِ النص: إحداهما: ترابط عناصر النص على المستوى الشكلي، ويراد به ترابط كلماتِ النص ظاهريا من خلال عددٍ من الوسائل. منها: الإحالة، والتكرار، والموازاة والمقابلة، وإعادة الصياغة، والعطف.

والآلية الأخرى هي تماسك أجزاء النص دلاليا، من خلال العلاقات الرابطة بين مفاهيم النص (الجمل والفقرات). مثل: الإجمال والتفصيل، والسبب والنتيجة، وغيرها.

والإحالة “تُطلَقُ على قسمٍ من الألفاظ لا تملكُ دلالة مستقلة، بل تعود على عنصر أو عناصر أخرى مذكورة في أجزاء أخرى من الخطاب” (الأزهر الزناد، 1993 : 118) وتنقسمُ إلى نوعين:

(أ) إحالة خارجية: وفيها يُحيلُ عنصرٌ فى النص إلى شيء خارج النص يُدركُه منتجُ النص ومتلقيه كلاهما” (محمد خطابي، 1991 :16-19). مثل كلمة (قُلْ) في القرآن الكريم، فهي تُحيلُ غالبا إلى مٌسمَّى غير موجود بالنص، وهو (النبي محمد عليه الصلاة والسلام) نحو قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)) (الإخلاص: 1) أي: يا محمد.

(ب) إحالة داخلية: وفيها يُحيلُ عنصرٌ فى النص إلى شيء داخل النص، والإحالة الداخلية نوعان: قبليَّة أو بعديَّة.

ومن وسائل الإحالة: الضمائر، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، وأسماء التفضيل والمقارنة، مثل: (أفضل- أكثر، إلخ) (Halliday & Hassan، Ruqaiya. 1976 : 40).

أما إعادة اللفظ (التكرار) Recurrence فيقصد به الإعادة المباشرة للعناصر، وهو نوعان:

(أ) معجمي: وفيه يتم إعادة الكلمات أو التعبيرات نفسها، مثل: اغسلْ وانزعْ نوى ست تفاحات، ضع التفاحات في صحن مقاوم للنار”. (Halliday & Hassan، Ruqaiya. 1976 :3).

(ب) جزئي: وينطوي على استعمال المكونات الأساسية للكلمة مع نقلها إلى فئة كلمات أخرى، مثل قوله تعالى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (سورة النجم :38) حيث ترجع كلمة (وَازِرَةٌ) وكلمة (وِزْرَ) إلى جذر لغوى واحد.

ويقصَد بالموازاة: تكرار أشكال الإخراج ذاتها فى ظاهر النص، مع شغلها بتعبيرات مختلفة” (إلهام أبو غزالة، وعلى خليل حمد، 2007 :87) مثل قول أمَامَة بنت الحارث لابنتها: “إلى وكرٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه”.

ومن هذا القبيل ما نجده من أنَّ بوسع عكس الشكل إفادة عكس المحتوى (المقابلة)، كما فى قول أمامة بنت الحارث لابنتها: “إياكِ والفرح بين يديه إنْ كان مُهتمَّا، والكآبة بين يديه إنْ كان فرحا”.

ويقصد بإعادة الصياغة: تكرار المحتوى مع تغيير فى التعبير، كما يتمثل فى النص التالي لتوفيق الحكيم:

– الدكتور: ماذا يعمل هناك؟

– شعبان: منشار…. يأكل فى الصعود ويأكل في الهبوط. (إلهام أبو غزالة، وعلى خليل حمد، 2007 :88).

ويتضمن الربطُ (العطف) Junction العديدَ من الوسائل المتعددة لربط المتواليات السطحية بعضها ببعض، ومن أنواعه الفرعيَّة:

(أ) الوصل، باستخدام: (الواو- كذلك- فضلا عن ذلك – بالإضافة إلى ذلك).

(ب) الفصل أو التخيير، ومن أدواته: (أو).

(جـ) الاستدراك، ومن أدواته: (مع ذلك – لكنَّ).

وتُعدُّ سورة الإخلاص في القرآن الكريم نموذجا مثاليا لتحقق التماسك النصي بنوعيه: الشكلي والدلالي؛ فعلى المستوى الشكلي (ظاهر النص) يتحقق التماسك منْ خلال عدة وسائل، منها: الإحالة بالضمير، والتكرار، والموازاة والمقابلة، وإعادة الصياغة، والعطف.

تجعل الإحالة من كلمة (الله) سبحانه وتعالى، مِحْورا مركزيا تُحيلُ إليه الضمائرُ الظاهرة والمستترة، فالضمير الظاهر (هو) في بداية النص يُحيلُ (بعديا) إلى الله سبحانه وتعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)). والضمير الظاهر (الهاء) في نهاية النص يُحيل قبليا إلى (الله) سبحانه وتعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدُ (4)) بينما الضمير المستتر للفعلين المنفيين: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ (3)) والواقع في محل رفع فاعل، وتقديره (هو) يُحيلُ قبليا إلى الله سبحانه وتعالى.

ويؤدي التكرار دورا جوهريا في تماسك أجزاء النص شكليا، من خلال التكرار المعجمي لكلمة (الله) (اللهُ أَحَدٌ (1) اللهُ الصَّمَدُ (2)). والتكرار المعجمي لحرف النفي (لم) مصحوبا بالتكرار الجزئي لمادة (ولد) في قوله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ (3)).

كذلك تؤدي المقابلة دورها في تماسك النص على المستوى الشكلي، وذلك من خلال التضاد بين الفعلين المنفيين {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ (3)}.

وتؤدي الموازاة دورها في تماسك النص شكليا من خلال الموازاة بين تعبيراتٍ مختلفة: (اللهُ أَحَدٌ (1) اللهُ الصَّمَدُ (2))/ (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ).

وتتمثل إعادة الصياغة في قولِه تعالى: (اللهُ أَحَدٌ (1) اللهُ الصَّمَدُ (2)). فهو الإله الواحد، الذي ليس كمثله شيئ، ومن ثمَّ فهو وحده سبحانه الذي يقصده العبادُ لقضاءِ الحوائج والرغائب.

ويؤدى العطف دوره في تماسك كلمات النص شكليا، وذلك باستخدام حرف العطف (الواو) (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدُ (4)).

ويتحقق التماسُك الدلالي في سورة الإخلاص من خلالِ علاقتين رئيستين في النص، هما: علاقة (الإجمال والتفصيل)، وعلاقة (السبب والنتيجة):

تتمثل علاقة الإجمال والتفصيل في قوله تعالى: (اللهُ أَحَدٌ (1)) وما يليها، فقوله: (اللهُ أَحَدٌ (1)). هو إجمال يتبعه التفصيل في قوله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ (3)) فالله لم يلد، فلا صاحبة له، وهو لم يلده أحد، ومن ثم فلا أب له ولا أم ولا إخوة أو أخوات، فهو الواحد.

وتتمثلُ علاقةُ السببِ والنتيجة في قوله: (أَحَدٌ) فهو الواحد الذي لا شبيهَ له، ولا حاجة له بصاحبة أو ولد (السبب)، ومن ثمَّ فهو “اللهُ” المُستحقُ للعبادة والتقديس وحدَه دون غيره. (النتيجة).

وهو سبحانه (لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدُ (4)). فليس له نظير ولا ند ولا مثيل ولا منافس، ولا قاهر، ولا غالب له. (سبب) إذن (نتيجة ذلك) أنه (الصَّمَدُ) أي الذي يجبُ أنْ يقصده الناسُ وحدَه لقضاء الحوائج والرغائب.

ونخلصُ مما سبق إلى أنَّ سورة (الإخلاص) تمثل نموذجا مهما للنص القرآني الذى تحققَ له التماسكُ النصي عبر المستويين الشكلي والدلالي، وهذا التماسك النصي يؤدي بدوره إلى تحقق شرط ثالث من شروط النصية (معايير النصية) وهو القصد (Intentionality) ويُرادُ به: أنْ يكون للنصِّ هدفٌ ما يسعى منتجُ النص إلى تحقيقه، وهو ما تحقَّقَ في سورة الإخلاص، حيثُ تتآزر وسائلُ الربط الشكلي بصورها المختلفة، مع العلاقات الدلالية ليؤكد كلاهما الرسالة المحورية والعقيدة الإيمانية التي تحملها سورة الإخلاص، والتي تتمثل في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِه شَيءٌ وَهَوَ السَّميعُ البَصيرُ) (الشورى: 11) فالله هو الواحد المتفرد بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات، لا يشاركه أحدٌ فيها. وليس له ولد ولا والد ولا صاحبة. ولا شريك ولا ند، ولا نظير له لا في أسمائه ولا في صفاته، ولا في أفعاله. ومن ثم فهو المستحق للعبادة الذي يجب أنْ يلجأ إليه الناسُ جميعُهم لقضاء حوائجهم. (الهدف والقصد).

المراجع:

1- الأزهر الزناد. (1993) نسيج النص، بحث فى ما به يكون الملفوظ نصا، بيروت: المركز الثقافي العربي.

2- إلهام أبو غزالة، على خليل حمد. (2007). مدخل إلى علم لغة النص، تطبيقات لنظرية روبرت دي بوجراند وولفجانج دريسلر. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

3- محمد خطابي. (1991) لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، بيروت: المركز الثقافي العربي.

4- Halliday، Michael Alexander Kirkwood & Hasan، Ruqaiya. (1976) Cohesion in English، London: Longman.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى