الأمة الثقافية

التطوُّر اللغوي.. وكيف يساير الزمن؟

د. عبدالله بن سُليم الرُّشَيد (باحث وأكاديمي سعودي)

اللغة نظام تواصلي تقوم به الحياة الاجتماعية، ويسير مع الزمن، فيشتد ويلين، ويتسع ويضيق، ويعلو وينحدر، ويختلف باختلاف مستعمليه، فهو عند الكبير غيره عند الصغير، وعند المتعلِّم غيره عند الأمي.

وهو نظام يتغيَّر من داخله ويبقى مبناه الخارجي، ويُقبل ذلك التغيُّر ما كان مستقيماً مع حيوية اللغة ومرونتها، متسقاً مع نظامها وقواعدها، فإذا خرج عن نظامها وأحدث الفوضى في قواعدها فهو فساد لا تغيّر، وانحراف لا تطوّر.

والفرق بين فساد اللغة وتطورها يتضح بالنماذج والأمثلة. فأما النماذج فإن التعبير عن (المسَوَّدة) بأنها (مُسْوَدّة) تطوَّر من باب التوسع المجازي (يُقال: سوَّدت الورقة فهي مُسَوَّدة، واسودّت، فهي مُسْوَدَّة)، والتعبير عن دخول الإسلام باعتناقه تطوُّر مجازي أيضاً، ومن العنت رفض هذا التعبير بوصفه مترجماً ترجمة حرفية، أما استعمال (عتيد) بمعنى عظيم أو جليل القدر فهو فساد، لأن الكلمة فُهمت خطأ فاستعملت خطأ، قال تعالى: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيْدٌ﴾، أي مُعَدّ مهيّأ.

وأما المثال في الفرق بين الفساد والتطوُّر، فهو أن ننظر في تاريخ (القلم) الذي كان فحمة أو قطعة من شجر (البوصة التي تؤخذ من القصب) ثم صار يؤخذ من شجر الرمان، وهو في ذلك يُغمس في الدواة، ثم تطوَّر فصارت دواته جزءاً منه، ثم اختُرِع القلم الناشف، ثم اختُرعت مِمْسَكة القلم في الجيب، ثم ظهر القلم الشّافُّ (اسم فاعل من شَفّ) الذي يُبِين مقدار ما فيه من الحبر وهكذا، كل ذلك من التطوُّر الذي لم يخرج بالقلم عن غايته النفعية، مع إضافات جمالية تزيده حسناً.

أما الفساد فلو أن أحدهم جاء اليوم بقطعة خشب وغمسها في الحبر فهو يفسد ولا يطوّر، ولو أنه صنع قلماً كبير الحجم لا يمكن حمله فهو يفسد الغاية منه، ولو أنه جعل طرف القلم الأسفل مدبباً حادّاً فهو يفسد، وهكذا.

وهذا مثال آخر: إن مسَّاحة السيارة ذات هدف نفعي، ولها سمات جمالية، وقد تطوَّرت فصارت متعدِّدة السرعات، ثم صار لبعضها تقنية العمل الآلي إذا أصاب الماءُ زجاج السيارة، وكل ذلك من التطوُّر. ولكن لو أراد أحد أن يجعل ملمسها على الزجاج خشناً، فإنه يُفسِد ولا يطوِّر، ولو أراد أحد أن يُعَرِّض الجلْدة فهو يُفسِد ولا يطوِّر؛ لأنه سيقلِّل مدى الرؤية عند السائق، وهلم جرَّاً.

ومن طرق التطوُّر اللغوي الخاضعة لقوانينها، المندرجة في التغيُّر الطبيعي المقبول، اتساع الدلالة بعد أن كانت ضيّقة، ومن ذلك قولهم (أمر بسيط) و(مسألة بسيطة)، فقد كانت كلمة (بسيطة) تطلق على الأرض المنبسطة، وهذا مكان بسيط أي منبسط متسع، ولكنها توسعت دلاليّاً، فصارت تطلق على كلّ ما اتصف بالسهولة واليسر، من باب أن الانبساط في الغالب يؤدي إلى اليسر.

ومن الاتساع الدلالي أننا نستعمل (راح) بمعنى (ذهب) دون تخصيصه بوقت، مع أن دلالته الأصلية تخصه بالذهاب في وقت الرَّواح.

وعلى ضد ذلك ضيق الدلالة بعد اتساعها، مثل كلمة (العيش) فهي تطلق على كل ما يتصل بالحياة من مأكل ومشرب ومركب ونحو ذلك، ولكنها في اللغة العربية الحديثة في بعض البلدان صارت تطلق على الخبز أو الأرزّ. ومثلها لفظ (خسيس) الذي يعني القليل الضئيل، قال البحتري: (فنلتُ خسيساً منه ثم تركتُه)، ولكنها انحصرت اليوم في معنى قليل المروءة أو النذل سيئ الخلُق: رجل خسيس.

ويندرج في ذلك ما يشيع في بعض البلدان من تخصيص لفظ (الطهارة) بالختان، و(الحريم) بالنساء، والأصل في حريم أنه لكل ما يحرم القرب منه، فهو فَعِيل بزنة مفعول (حريم أي محرَّم).

ومن ضيق الدلالة انتقال اللفظ إلى معنى جديد ذي علاقة بالمعنى القديم، مثل كلمة (سيارة) فهي في القديم تعني الناس المسافرين، وفي القرآن الكريم: ﴿وَجَاْءَتْ سَيَّاْرَةٌ﴾، وهي في عصرنا هذا المركبة المعروفة.

ومن ذلك قولنا (أُجّل الاجتماع) وهو مؤجَّل، بمعنى أُخّر، أو غُيّر موعده، والأصل في التأجيل، وضع أجلٍ، أو وقت محدَّد للأمر، وفي القرآن الكريم: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى