الأمة الثقافية

التجديد اللغوي المزعوم

                                                        في التجديد اللغوي المزعوم
                                                الأستاذ الدكتور عباس حسن

أو ضحت في مقال سابق، دوافع الدعوة الأثيمة إلى اصطناع اللغة العامية دون الفصحى، و إيثارها في ميادين العلوم و الفنون و الآداب ومسارب الحياة، و كشفت عن مواطن الخطأ و الخطر في ذلك.


و قد طالعتني صحيفة يومية بمقال طويل، لكبير من دعاة العامية، يجادلني في رأيي، و لكنه ينتهى في أسلوب عف، و حوار مهذب، إلى ما سماه سؤالا، و ما هو إلا سلسلة من أسئلة مركزة، تتطاول إلى نواح متباينة من العلوم العربية، في نشأتها، و تطورها، و حركتها، و جمودها، و ما فعلت بها يد الأحقاب، و ما عسى أن تقبله اليوم من إصلاح و تجديد، أو تتأباه. فيقول:


إذا كان الشأن في الفصحى ما ذكرتم، و الاستغناء عنها في فنون الأدب الرفيع، و فروع العلوم – ضرب من الهذر، و الخبل، بل وافد من وفود البلاء الماحق، فهل فرض على قواعدها – و لا سيما النحوية والبلاغية – أن تظل حياتها في مكانها من الصعوبة و الجمود، و فرض على الناشئة و علينا أن نرزح تحت أعبائها الثقال؟ و إذا كان اقتراح العامية و إحلالها محل الفصحى له ما وصفت من سوء الأثر، و خطر الغاية فهلا تستمعون إلى اقتراح مفيد ينادي به بعض أنصار التجديد، و هو استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، و الاستغناء عن هذه بتلك، تيسيرا للراغبين، و تخلصا من أثقال القواعد النحوية و الإملائية و سواهما؟

و هب الحاجة ماسة إلى قليل أو كثير من تلك القواعد، فما حاجتنا إلى (العلوم البلاغية) بأصولها المعقدة، و تفصيلاتها المرهقة، و بهرجها الصناعي الأجوف، و أمثلتها المرددة التي تثير الضحك حينا و الضجر أحيانا؟ و ما غناؤها في هذا العصر؟ و ما مكانها بين البلاغات الحديثة؟


ثم ما ذلك العلم الذي يسمونه: علم الشعر، أو علم العروض والقوافي، بحدوده وقيوده، و عقباته التي ينثرها في طريق الشعراء: فتكد عقولهم، و تحد أخيلتهم، و تعجز و سائلهم، و تحول بينهم و بين الكمال الفني والتوفيق؟


لقد انتظم السؤال – كما يبدو ، و كما أشرت قبلا – سلسلة من الأسئلة الدقيقة العمقية، تتطلب الإجابة عنها فيضا من البحوث، و الدراسات الواعية المتثبتة، ميدانها معاهد العلم المتخصصة، لا المجلات العامة، و لا الصحف السيارة. لكن هذا لن يقف حائلا دون الرد الذي يجمع – إلى حد ما – بين اللمحة الخاطفة النافعة، و الإقناع المركز المفيد.


فأما أن القواعد النحوية و البلاغية و غيرهما من فروع العربية جامد على التجديد الحميد، مستعص على التيسير المأمون، و التجميل البارع، فتلك دعوى لم تقم عليها بينة، و لم يقل بها ثقة خبير ممن يعرفون للقول خطره و جلال شأنه، و سوف أناقش ذلك في مقالات خاصة تعلن زيفه، و ترسم السبيل القويم – كما أراه – لوجوه من الجدة و الطرافة، و ألوان من التقوية و التطرية، تجول في خواطر أنصار الفصحى و أعوانها الأبرار بنهج لا تخلف فيه و لا تهور، و لا بطء و لا اندفاع.
أما كلمة اليوم فإني جاعلها لما وسم بأنه : اقتراح الحروف اللاتينية و استخدامها مكان الحروف العربية.


إن أنصار الحروف اللاتينية و الاستغناء بها عن الحروف العربية يؤيدون دعواهم بأن القاريء العربي لا يستطيع أن يقرأ ما يقع عليه ناظره قراءة صحيحة سليمة إلا إذا فهمه أولا، و أدار فيه فكره، فكلمة مثل: سمع، أو: فهم، أو: علم،

أو مئات و آلاف غيرها من الكلمات المفردة أو المتضامة إلى غيرها، تصلح أن تقرأ بصيغة الماضي المعلوم أو المجهول، و بصيغة المضعف أو غير المضعف، و بصيغة المصدر… ولكل واحدة من هذه الصيغ معناها، و أثرها في معنى الجملة، و تركيب الأسلوب، و دلالته و حظه من القوة أو التخاذل، و جملة مثل: على سمع والده يؤنب الخادم لإهماله، و يقدم له النصح بالجد و النشاط، و قصيدة كقصيدة أبى العتاهية التي يقول فيها:
يا بن الخلائف لا فقد ت و لا عدمت العافيه
من يرتجي للناس غيـ ـرك للعيون الباكية
ألقيت أخبارا أليـ ـك من الرعية شافيه


تحتمل الكلمة الواحدة منها ضبوطا مختلفة، و تتقبل حروفها حركات عدة متباينة، و ليس من المستطاع قراءة مفرادتها أو تراكيبها، و لا ضبط حروفها ضبطا يساوق المراد، و يساير الغرض، إلا بعد النظر السابق، و التفكر الباديء، كى يستعان بهما على فهم المراد، ثم على القراءة الصائبة المسددة بعد ذلك، ثم يرمز لهذا المعنى بحركات نحوية و لغوية،  ورموز إملائية وغير إملائية تشير إلى المراد وتدل عليه، و كذلك الشأن في كل أنواع المنثور والمنظوم، إفرادا وتركيبا، فمن الحق أن العربي يفهم المكتوب بلغته أولا ثم يقرأ ثانيا، وهذا يناقض الحكمة من الكتابة و الغرض الأصيل منها، ذلك الغرض الذي يقضى بأن الأنسان يقرأ ليفهم، لا العكس، ومن ثم كان القارىء اللاتيني موفقا في قراءته، مسددا بفضل حروفه اللاتينية و نظام كتابتها، ذلك أن الكلمة اللاتينية الواحدة تشتمل على نوعين من الحروف، أحدهما أساسي، والآخر فرعي يغني عن الحركات الإعرابية واللغوية، طويلة كانت أم قصيرة ويتصل بالأول اتصالا وثيقا مباشرا ، فإن مثل كلمة: (سمع) العربية تتركب عندنا من حروف ثلاثة، لكل حرف حركة خاصة به، منفصلة منه انفصالا تاما، أما في اللاتينية فلكل حرف من هذه الحروف الثلاثة نظير يقابله، ولكن لكل حركة حرف فرعي يتصل بآخر الحرف الأصلي ويغني عنها، فحرف السين له ما يقابله عندهم، ولحركته – وهي الفتحة – حرف فرعي يشتبك بذيل الأصلي تماما و يرتبط به ، وللميم حرف أصلي يقابله هناك، و لحركتها – و هي الكسرة – حرف فرعي يتصل بالمقابل مباشرة، و كذلك العين و باقي الكلمات، فإذا كنا في كلمة: سمع، نكتب السين و فوقها الفتحة الضابطة لحركتها، المعينة لها فإنهم يكتبون الحرف الأصيل الذي يقابل عندهم السين أولا ، و يكتبون بدل الفتحة المنفصلة حرفا فرعيا يدل عليها و يتصل بآخر ذلك الحرف الأصيل كما سبق، وإذا كنا نكتب الميم وتحتها الكسرة فإنهم يكتبون ما يقابل الميم من حرف أصيل عندهم، ويصلون بآخره حرفا فرعيا يغني عن الكسرة، ويكتبون بدل العين حرفا أصليا وبدل الفتحة التي فوقها حرفا فرعيا متصلا بالأصيل … وهكذا سائر الألفاظ ما ذكر منها وما لم يذكر.
ومما سبق يتضح أن الكتابة اللاتينية كالكتابة العربية كلاهما يتألف من حروف أصيلة، ومن حركات ضابطة لتلك الحروف، مميزة لها، بيد أن هذه الحركات في العربية رموز تستقل بنفسها، وتنفصل عن حروفها، و تستقر فوقها أو تحتها، لكنها في اللاتينية لا تستقل ولا تنفصل، وإنما ترتسم بصورة حروف مشبوكة متماسكة، وهذه هي ناحية الفرق و بفضلها يقرأ القاريء فلا يخطيء، و لا يحتاج إلىتفكر قبل البدء، لأن كل حرف من حروف الكلمة يتصل بحركته التي تلازمه و ترتبط به ارتباطا وثيقا، فلا يقع الخطأ و لا التردد و لا البطء في قراءته، ولا يتطلب ذلك فهما سابقا ولا تمعنا في الإدراك، وتلك مزية لا مراء فيها، ولكنها مزية لم تفقدها العربية، ولم يغفل عنها السابقون من علمائنا العباقرة: فهى ليست إلا صورة من صور التشكيل و ضبط الحروف المعروف عندنا منذ عشرات القرون، و لا فضل لها إلا في تشابك الحرف الأصلي مع حركته المصورة بصورة حرف فرعي متعلق بسابقه تعلقا تاما، فلو أننا ضبطنا الحروف العربية بالشكل الكامل لصارت قراءتها في يسرها وسهولتها وسرعتها كقراءة الكتابة اللاتينية سواء بسواء.

  وأرى لزاما علي في هذا الموقف الفني الخالص أن أشير إلى أمرين هامين بعيدي الأثر، لم يتنبه لهما دعاة التجديد.
أما أولهما فهو أن ترك الشكل في الكتابة العربية ليس أصلا من أصولها، و لا ضرورة محتومة فيها، بل ربما كان العكس هو الحق كما ينطق بذلك تاريخ الخط، فالكاتب العربي حر في أن يضبط بالشكل حروفه كلها أو بعضها، و في أن يترك الحروف بلا ضبط حين يأمن اللبس و لا يخشى الزلل، وحين يطمئن إلى السداد في قراءة ما يكتب قراءة لا عناء فيها ولا إخلال، و هذا حق مباح لكل كاتب، وبخاصة حين يكتب لمن اتسعت خبرته، و نمت في فروع اللغة معارفه، وبلغ الحد الذي يصبح الضبط فيه ضربا من العبث وإضاعة الوقت، عندئذ يكون ترك الضبط والتشكيل أليق، وهو بهذه الحالة أنسب، إذ يعد بحق نوعا من الاختزال الشائع في عصرنا، عرفه قدماؤنا منذ مئات السنين، وفيه من ادخار الجهد و الوقت ما لا يخفى ، وهذه مزية ليست للضبط اللاتيني الذي لا انفكاك عنه في أية حالة، ولا خلاص من التزامه في كل المناسبات.
وأما ثانيهما فهو أن استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية ليس إلا اقتراحا خداع المظهر، و همي الأثر، لا يثبت على النظرة الصائبة، ولا الدراسة الفاحصة، فإن الهاتفين به يلوحون بفائدته التي أشرنا إليها آنفا، و هى القراءة بغير خطاء، و بغير حاجة ألى تفكر سابق، وهذه الفائدة متحققة في كتابتنا العربية المشكولة – كما أسلفنا – ونزيد هنا أن أولئك الهاتفين لم يفطنوا إلى طبيعة اللغة العربية التي تخالف طبيعة كثير من اللغات، فلغتنا لغة إعراب فأواخر كلماتها ليست كغيرها ساكنة بل لا بد من تغيير تلك الأواخر بحسب وضعها في الأساليب المختلفة، وهذا التغيير قد يتناول الحركات أو الحروف أو هما معا، وهو رهن بمعارف نحوية ولغوية متعددة فوق أنواع أخرى من التغيير تشمل الحروف التي في أواخر الكلمات أو أوائلها أو أوساطها، فلا سبيل لمن شاء أن يكتب مثل: إن الله يحب الذين اتقوا، وآمنوا، وعملوا الصالحات، وصفت نفوسهم من أدران السوء، وطهرت

من شوائب الأضغان … كتابة صحيحة بحروف عربية مضبوطة بالحركات المنفصلة، أو بحروف لاتينية أصلية مضبوطة بحروف فرعية موصولة بسابقتها بدل الحركات، إلا إذا عرف قدرا من النحو و من اللغة، ومن غيرهما، يستطيع به أن يضبط كل حرف و كل كلمة، و بغير ذلك لا يستطيع أن يكتب لغتنا بحروف عربية أو لاتينية كتابة سليمة ، ومعنى هذا أن الكتابة الصحيحة لابد أن يسبقها ذلك القدر من المعرفة و العلم، وإلا جاءت مشوبة بالخطأ مشوهة بأنواع الغلط، لا فرق في ذلك بين أجناس الكاتبين، فإذا ساغ لنا أن نقول: عن كتابة مشكولة بطريقة الشكل العربي، أو اللاتيني، إنها تعصم من الزلل، و تحمي من اللحن، و تغني عن التفكير المبتدىء، و عن الحاجة إلى قواعد نحويه و لغوية و إملائية، وجب أن نسائل أنفسنا عن هذا الذي كتبها: ما الوسيلة التي ضمنت له السلامة؟ وعلى أى أمر اعتمد في تسجيل ما كتبه صحيحا بريئا من الشوائب  والأدران؟ هل استطاع ذلك من غير أثارة من قواعد النحو، وقدر من أصول اللغة وفروعها؟ اللهم لا.
فاقتراح الحروف اللاتينية إن أعفي القاريء من متاعب الدراسات اللغوية، لم يعف الكاتب ولا المتكلم المرتجل، وما أكثرهما، بل ما أسبقهما على القاريء، فكل مقروء لا بد أن يسبقه إعداد في النفس يجري به اللسان أو القلم، و لا عصمة لواحد من هذين إلا بالدراسة اللغوية التي نحاول الفرار منها، و نزعم أن اقتراح الحروف اللاتينية يغني عنها، و يريح من عنائها، و هنا موطن الوهم و مكمن الخداع، فوق ما فيه من تنكر لماضينا، و قطع للصلات الكريمة بين شقيقاتنا، وأهدار لتراثنا العربي النفيس بقيمه الروحية والأدبية والعمرانية، وإزهاق لمعاني الكرامة والحرية، وإذلال لنفوس الناطقين بالضاد، ولعل فيما سبق ما يقنع الدعاة بزيف دعوتهم، ويحملهم على نصرة لغتهم، والإقبال عليها دراسة وتمجيدا وتجديدا نافعا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى