آراءمقالات

التبرعات والهبات في زمن الكورونا

Latest posts by خبَّاب مروان الحمد (see all)

بعض التصرفات المالية الناشئة عن التبرعات والهبات وقت انتشار الوباء في بلدٍ كثر عدد المصابين فيه والمرضى؛ فقد يخشى المرء ويخاف أن يكون عُرضة لأن يُصاب.

 

فهل يُعطى المرء حكم الصحيح السليم من المرض لأنه لم يقع عليه المرض المخوف؟

 

أو أنّه يُحكم له بحكم المريضِ لأنّه يخشى من المرض؛ بجامع الضرر والهلاك والتلف وهو لا يعلم قد يأتيه أو لا يأتيه؟

 

فقد اعتبر الحنابلة والشافعية أنّه يأخذ حكم المريض مرضاً مخوفاً.

 

وقد بحثت في كتب السادة الحنفية فوجدتُ أنّه قد ذكر صاحب: ” البحر الرائق شرح كنز الحقائق” أنّه لم ير لأصحابه الحنفية قولٌ في ذلك.

 

لكن العلاّمة ابن عابدين قال: “وقواعد الحنفية تقتضي أنّه كالصحيح”.

 

ونقل ابن عابدين عن ابن حجر العسقلاني الشافعي في كتابه: “بذل الماعون في فضل الطاعون” أنّ علماء الحنفية ذكروا له أنّه يُعتبر كالصحيح.

 

وكأنّ ابن عابدين لم يرتض هذا فقد فصّل ابن عابدين في هذا فقال:”إذَا دَخَلَ الطَّاعُونُ مَحَلَّةً أَوْ دَارًا يَغْلِبُ عَلَى أَهْلِهَا خَوْفُ الْهَلَاكِ كَمَا فِي حَالِ الْتِحَامِ الْقِتَالِ – فهنا حسب رأيه يكون مخوفاً – بِخِلَافِ الْمَحَلَّةِ أَوْ الدَّارِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْهَا فَيَنْبَغِي الْجَرْيُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِغَلَبَةِ خَوْفِ الْهَلَاكِ” وقال بنحو كلام ابن عابدين صاحبُ كتاب : “درر الحكام شرح غرر الأحكام”.

 

وبكلّ حالٍ فللمسألة هذه أهميّة فيما إذا انتشر الوباء ببلدٍ، وكان الشخص يخشى الهلاك منه؛ ثمّ جرى منه كلامٌ في التصرف بماله بالتبرع أو الهبة أو الوقف أو يعطي أو يخص من ماله بعض ورثته، فقد قرر جمعٌ من الفقهاء ومنهم أصحابنا الحنابلة أنّه من كان كذلك فإنّه يُعطى حكم المريض المخوف؛ فإذا تبرع ومات، فعطاياه تأخذ أحكام الوصية:

 

1- ينفذ تبرعه بثلث ماله فقط لغير الوارث؛ كما في الوصية؛ لأنّ الوصية بالمال لا تكون نافذة إلا بالثلث.

 

2- لو أنّ الأب أعطى أحد أولاده عطيّة مالية زيادة منه على إخوانه في حال حياته ووقت تخوفه من الوباء فإنّه لا يلزم تبرعه لوارث بشيءٍ من ماله.

 

أمّا إذا أجاز الورثة الزيادة المالية على الوصية في المال إذا كانت فوق الثلث؛ أو أجازوا أن يُعطى أحد الورثة مالاً أكثر فلا إشكال في ذلك.

 

ودليلُه ما ورد في صحيح الإمام مسلم من حديث عمران بن حصين – رضي الله عنه -:” أنّ رجلاً أعتق ستّة مملوكين له عند موته لم يكن له مالٌ غيرهم؛ فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزّأهم أثلاثاً؛ ثم أقرع بينهم؛ فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة”.

 

أمّا إذا تبرع وكان يخشى الوفاة؛ ثمّ عاش بعد ذلك؛ فيكون كالشخص الصحيح السليم في نفوذ عطاياه كلّها، وصحّة تصرفه لعدم المانع، وهذا قول جمهور الفقهاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى