آراءمقالات

التاريخ ما بين المحمدين.. نجيب ومرسي

رانيا مصطفى
Latest posts by رانيا مصطفى (see all)

فى 14 نوفمبر عام 1954 قام مجلس قيادة “حركة” يوليو بعزل “محمد نجيب” أول رئيس لجمهورية مصر العربية ووضعه تحت الإقامة الجبرية بقصر زينب الوكيل حرم مصطفى النحاس باشا بعيدا عن الحياة السياسية لمدة 30 عاما. شطبوا اسمه من كتب التاريخ ومن الكتب المدرسية، حتى أن كثيرا من المصريين نسوا أنه لايزال على قيد الحياة حتى فوجئوا بوفاته. منعوه تماما من الخروج أو مقابلة أى شخص من خارج نطاق أسرته، حتى أنه ظل لسنوات عديدة يغسل ملابسه بنفسه، سارع الضباط والعساكر بقطف ثمار البرتقال واليوسفي من الحديقة, وحملوا من داخل الفيلا كل ما بها من أثاث وسجاجيد ولوحات وتحف وتركوها عارية الأرض والجدران. كان ممنوعا عليه لسنوات طويلة أن يستقبل أحدا ثم سمحوا له بذلك, لكن على شرط أن يجلس معه ضابطا ليسجل كل ما يقال، وكانت إحدى نقاط الحراسة تقع على السطح , وكان لابد للجنود والضباط ليصلوا إليها أن يمروا بحجرة نومه. كان من الطبيعي ومن المعتاد أن يفزع الجنود أفراد أسرته بإطلاق الرصاص في الهواء في الفجر وفي أي وقت يتصورن أنه مناسب لراحتهم.

كان الابن الأكبر لنجيب “علي” يدرس في ألمانيا, وكان له نشاط واسع ضد اليهود، طاردته سيارة وحشرته بينها وبين الحائط، نزل منها ثلاثة رجال ضربوه وتركوه ينزف حتى الموت، طلب نجيب أن يخرج من معتقله ليستقبل نعش ابنه ويشارك في دفنه، لكنهم رفضوا, كان هذا في عام 1968. ولم يسلم فاروق -الابن الثاني لنجيب من نفس المصير- فقد استفزه أحد المخبرين الذين كانوا يتابعونه وقال له: ماذا فعل أبوك للثورة، لم يكن أكثر من خيال مآتة، فلم يتحمل فاروق هذا الكلام وضرب المخبر ودخل ليمان طره, وبقي هناك خمسة أشهر ونصف، خرج بعدها محطما منهارا ومريضا بالقلب, وبعد فترة قليلة مات.

أما ابنه الثالث يوسف, رغم بعده عن النشاط العام, وبعد أن تخرج من معهد العلوم اللاسلكية اشتغل في إحدى شركات الدولة, فافتعل أحد أقارب شمس بدران مشاجرة معه, انتهت بإصدار قرار جمهوري بالتخلص منه، ولم يجد يوسف ما يفعل سوي أن يعمل في شركة المقاولون العرب سائقا في الصباح, وعلى تاكسي اشتراه بالتقسيط في المساء”.

اشترك كل من محمد نجيب ومحمد مرسي فى أنهما عملا فى منصب رئيس الجمهورية بعد ثورة لمدة عام واحد، حلما أن يطهرا الجيش ومؤسسات البلاد من الفساد، وأن يؤسسا لحكومة مدنية وحياة برلمانية. كانا واجهة نظيفة لثورة آمنا بها من أجل مصر، رفضوا أن يكونوا مجرد ستار يختبئ خلفه الفسدة، فكان ما كان من انقلاب عليهما.

اليوم يصرخ رئيس مصر المختطف “محمد مرسي” من محبسه ليخبرنا أن حياته فى خطر، وأن هناك جرائم تمارس ضده وأن حقوقه تنتهك، ولا آذان ولا شعور ولا إنسانية ولا حياة لمن تنادى . ذلك العالم الذى ينادى عليه الرئيس هو نفس العالم الذى نادى عليه نجيب إلا أن أبناء الجيش يذلون بشكل أكثر تهذيبا من المدنيين كما كان حال مبارك إثر الانقلاب عليه.

وفقا لبيان نشرته أسرة “محمد مرسي” : “الرئيس ومنذ اختطافه بالقوة في ٣ يوليو ٢٠١٣ في انقلاب عسكري مكتمل الأركان معزول عن العالم تماماً وكلياً، تم احتجازه في قاعدة عسكرية لمدة أربع شهور، ثم كان ظهوره الأول في ٤ نوفمبر ٢٠١٣ في أولي جلسات محاكماته، ولَم يسمح لأسرته بزيارته سوي مرتين خلال أربع أعوام، كانت الزيارة الأولي لمدة ساعة، ثم منعت الزيارة لمدة ثلاث سنوات ونصف، وكانت الزيارة الثانية لمدة نصف ساعة، وفريق دفاعه القانوني ممنوع من لقاءه منذ يناير ٢٠١٤، منعـت عنه الصحف الإخبارية، والكتب وإدخال المتعلقات الشخصية فضلاً عن الإهمال الطبي المتعمد والذي يتلخص في عدة وقائع:

* في يوم ٨ أغسطس ٢٠١٥ اشتكي الرئيس لهيئة المحكمة مخاطباً دفاعه كونه في قفص زجاجي عازل للصوت، من تقديم وجبة طعام له لو تناولها كانت أدت إليّ جريمة.

*فِي يوم ٦ مايو ٢٠١٧ تحدث الرئيس مجدداً لهيئة المحكمة مخاطباً هيئة دفاعه من تعرض حياته إليّ الخطر وأنه يريد أن يلتقي بهيئة دفاعه ليروي لهم تفاصيل تلك الجرائم لاتخاذ اللازم معها.

* فى يوم ٧ يونيو ٢٠١٧ الرئيس تحدث لهيئة المحكمة مخاطباً الدفاع مجدداً عن تعرضه لغيبوبتي سكر كاملتين داخل مقر احتجازه ولَم يعرض علي طبيب وأنه يطلب نقله إليّ مركز طبي خاص علي نفقته الشخصية لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة.

* لم يسمح لأبنائه الرجال بزيارته ولكن سمح فقط لزوجته وابنته، والتي أبلغهم فيها أنه ومنذ عام يطلب تغير نضارته الطبية ولكن الفريق الأمني المصاحب لم يستجيب لهذا الطلب.

* في يوليو ٢٠١٧ طلب إحضار دواء الإنسولين الخاص به وجهاز قياس نسبة السكر بالدم ولكن الجهات الأمنية رفضت إدخالها له .

إنه نوع من القتل العمد الممنهج البطئ، يمارسه نظام مجرم، بدأه بأول ضحية إهمال طبي “الدكتور صفوت خليل” فى 2013 وكانت آخر ضحية هو “محمد مهدى عاكف” المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين ليرتفع عدد القتلى داخل مقار الاحتجاز إلى 617 شخصا بحسب المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

أما عن أبنائه، فقد لفقت للأصغر قضية حيازة مواد مخدرة، وتم الحكم على نجله “أسامة” بالحبس ثلاث سنوات لحيازته سلاح أبيض برغم أنه تم القبض عليه من منزله دون مقاومة! أسامة محبوس كما أبيه وكما قص علينا باسم عودة وزير الفقراء فى محاكمته ببالغ الألم،  منفردا، محاصرا، لا يرى أهله، يأكل وحده، ينام وحده، يصلى وحده، يفطر رمضان وحده.

أن يعيد التاريخ نفسه فهى سنة الحياة، أما أن يعيد البشر دناءاتهم فهذا أمر فيه نظر. نحن اليوم لسنا بصدد تكرار للتاريخ، إننا ننحدر إلى مرحلة لا أدرى كيف ستخط فى الكتب، أم أنها ستصاغ كما صيغ كذب الأمس.

لدينا اليوم فى مصر ثلاث فرق، فريق بائس مؤيد للشرعية منقسم على نفسه، وفريق منقلب على مبادئه مدع للثورية يستثمر الدفاع عن المعتقلين ولئن سألته عن مرسي لا تسمع له صوتا، وفريق قال أقتل هذه المرة ثم أتوب وأعيش منعما، ولا يدرك هذا الأخير أن الجرائم لا تسقط، والحقائق لا تطمس، والدماء لا تجف، والكذب لا يصير حقيقة، والضلال ظله أسود، وما الله بغافل عما يعمل الظالمون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى