الأمة الثقافية

التاريخ العربي لمدينة مدريد

بدأ تاريخ مدريد في القرن التاسع، عندما قرر الأمويون بناء تحصينات وسط شبه الجزيرة الأيبيرية للدفاع عن حدود الأندلس. أما في عصرنا الحالي التي عمت فيها الإسلاموفوبيا، فقد أصبحت مسألة إعادة اكتشاف هذا التراث الخفي للعاصمة الإسبانية أمرًا ضروريًا.

وثمة دراسات جديدة تشير إلى أن مدريد لم تكن مجرد قلعة عسكرية لحماية مدينة طليطلة، بل كانت مدينة مكتملة الأركان جادت بقضاة وعلماء مشهورين أثروا ميادين الفكر والعلوم الإنسانية.

ولم يبق من السور الذي بناه أمير قرطبة محمد الأول إلا أجزاء قليلة، ربما كانت هي أقدم المباني القائمة في هذه المدينة، وكان في الماضي يمثل جزءا من الحصن الذي يحمي المدينة والذي تطورت بفضله المنطقة الحضرية لمدينة مدريد.

وقالت ماريا خيسوس بيغيرا المؤرخة الإسبانية أستاذة قسم الدراسات العربية والإسلامية في كلية الآداب بجامعة “كومبلوتينسي” العريقة في مدريد إن هناك الكثيرين من المؤرخين والباحثين في هذا البلد قد نشروا الكثير عن التاريخ الإسلامي لمدريد، ولكنها لم تجد تفسيرا لجهل العامة به.

تاريخ مدريد

وفي مقال نشره موقع “أوريان 21” الفرنسي، قال الأديب والمستعرب الإسباني دانيال خيل بن أمية إن مدريد تتميز بوجود ساحة صغيرة يوجد بها النصب التذكاري لأبي القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي (338 هـ – عام 398 هـ) وهو فلكي وكيميائي وعالم رياضيات.

تجاوزت شهرته حدود الأندلس لتنتشر أيضًا في أوروبا المسيحية. ولم يكتسب شهرته من مساهمته في تطوير العلم فقط بل أيضًا بتأليف كتاب “غاية الحكيم” الذي يركز على التنجيم الباطني المتقدم، وبصورة رئيسية على علم التنجيم والسحر التعويذي.

في مدريد اليوم، يجهل الكثيرون وجوده حتى أولئك الذين يحملون اسمه، وذلك لعدم وجود مرجع مكتوب يوثق مجموعة المشاهير الذين سبقوا القديس المسيحي الراعي للمدينة سان إيسيدرو، الذين ولدوا نهاية القرن 11.

وعلى خطى والده، مضى المؤرخ والكاتب دانييل خِيلْ بني أميّة مقدما كتابه “مدريد الإسلامية” الذي يتناول فيه الأصول الإسلامية لهذه العاصمة الأووربية التي تحمل اسما عربيا أو أمازيغيا (مجريط من مجرى) وملامح طوتها طبقات التاريخ منذ تأسيس الأمير محمد الأول بن عبد الرحمن الثالث لها كقلعة تابعة لبني أمية.

وينحدر الأديب والصحافي والمستعرب الإسباني خيل بن أمية (1901-1975) من أسرة غرناطية ذات أصول موريسكية، واشتهر كأحد أهم الناشطين الداعين للقومية الأندلسية في بلاده، وتتلمذ على يد المستعربين الشهيرين خوليان ربيرا ومكيل أسين بلاثيوث، ثم تابع دراسته بالجزائر وباريس وتونس وكان قريبا من مثقفي المغرب ومصر حيث عمل أكاديميا بتطوان والقاهرة.

حصن بني أمية

قرر الأمويون بناء خط من التحصينات عند سفوح الجبال التي تعبر وسط شبه الجزيرة الأيبيرية للدفاع عن حدود الأندلس. تأسست مدريد كحصن، ولكن سرعان ما بدأت المصادر التاريخية تشير إليها على أنها مدينة. ثم أصبحت مركز جذب للسكان المدنيين، وكذلك عاصمة منطقة صغيرة. وكتب الجغرافي المغاربي (الصقلي) محمد الإدريسي في القرن 12 “من بين البلدات التي يوجد بها منبر عند سفوح هذه الجبال، مجريط، وهي بلدة صغيرة.. كان فيها في العصور الإسلامية مسجد كبير تُلقى فيه الخطب بانتظام”.

هناك بالفعل العديد من المصادر العربية التي تذكر تطور مدريد الإسلامية. وبعضها، على غرار كتابات الإدريسي، يذكر ذلك في وقت لم تعد فيه المدينة تابعة للأندلس، بسبب احتلالها وضمها إلى مملكة قشتالة نهاية القرن 11. أما البعض الآخر المعاصر لوجود مدريد الأندلسية فيزودنا بالكثير من المعلومات حول المدينة ومختلف أراضيها، وحكامها، وعلمائها، وسكانها.

المصدر المسيحي الوحيد الذي ذكر مدريد قبل السيطرة القشتالية في القرن 11 هو تأريخ للمطران سامبيرو دي ليون الذي يروي فيه كيف أن الملك راميرو الثاني ملك أستورياس، في إحدى حملاته ضد أرض “الكلدان” (طريقة للإشارة إلى المسلمين) هاجموا أسوار “المدينة التي يسمونها مجريط” ودمروها. “مدريد” كانت الطريقة اللاتينية والقشتالية في العصور الوسطى لكتابة “مجريط” العربية، أصل الاسم الحالي للمدينة.

إن مدريد هي العاصمة الأوروبية الوحيدة ذات الأصول الإسلامية. وفي الواقع، إنها أقدم من العديد من المدن العربية المهمة اليوم. وخلال القرنين والنصف قرن الأولين من وجودها، كانت تقع في أقصى شمال العالم الإسلامي الكلاسيكي الذي امتد في ذلك الوقت من نهر دويرو إلى الصحراء الكبرى والمحيط الأطلسي إلى حدود الصين.

الاستيلاء المسيحي على المدينة

بعد احتلالها من قبل الملك ألفونسو السادس ملك ليون وقشتالة حوالي عام 1085، احتفظت المدينة لأكثر من 400 عام بأقلية مسلمة سيطرت على الأشغال العامة وحافظت على علاقات جيدة مع السلطات والأغلبية المسيحية. كان “ملكا الكاثوليك” إيزابيلا ملكة قشتالة وفرديناند الأراغوني قد قررا وضع حد للتنوع الديني الذي كان يميز شبه الجزيرة الأيبيرية خلال القرون الوسطى. كان هذا التنوع غريبًا على الدولة الحديثة التي شرعوا في بنائها وعلى حلفائهم الأوروبيين الجدد أيضا.

يقول أنطوان دي لالينغ إن الأمير اندهش “من كثرة المغاربة البيض الذين يعيشون في إسبانيا. اضطر المسلمون في مدريد، مثل أولئك الموجودين في قشتالة، إلى اعتناق الديانة المسيحية عام 1502 وتغيير أسمائهم العربية إلى أسماء قشتالية. وعندما قرر التاج أخيرًا بعد قرن من الزمان طرد جميع “الموريسكيين” (أحفاد هؤلاء المسلمين المتحولين) من ممالكه، لم يستطع فعل ذلك في مدريد، لأنه لم يكن قادرا على الثورة عليهم ذلك أنه كان “لديهم الكثير من الأشخاص لمساعدتهم والتستر عليهم”.

إرث تاريخي مزيف

لفهم سبب جهل معظم سكان مدريد اليوم بكل شيء تقريبًا عن الماضي الإسلامي للمدينة، علينا العودة إلى الإمبراطور فيليب الثاني، حفيد الشخص الذي احتقر “الموريسكيين” والذي قرر عام 1561 جعل مدريد عاصمة إمبراطوريته.

في ذلك الوقت، كانت مدريد مدينة صغيرة استفادت من موقعها المركزي في شبه الجزيرة الأيبيرية، لكنها لم تكن تمتلك تراثا تاريخيا ضخما. فقرروا بعد ذلك اختراع التاريخ وإعادة بنائه من الصفر لجعل مدريد مدينة أكثر شهرة وأقدم من روما مقر القوة الكاثوليكية، ومن القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية العثمانية والعاصمة السابقة للإمبراطورية البيزنطية ومقر المسيحية الأرثوذكسية.

قام الإمبراطور وخلفاؤه بتدمير جميع مباني المدينة التي تعود إلى العصور الوسطى تقريبًا. ثم نفد المال لبناء المدينة الضخمة التي حلموا بها، لكنهم أعادوا اختراع التاريخ وحرف البلاط الإسباني دور “المغاربة” وزوره بحيث يبدو دورًا ثانويًا، فلم يعودوا هم المؤسسين، لكنهم ببساطة صوروا في شكل غزاة احتلوا المدينة لفترة وجيزة قبل طردهم منها في النهاية.

إن تاريخ مدريد يتماشى مع الفكرة التي تترسخ في أذهان معظم الإسبان عن الأندلس، والتي لا تزال تنتقل اليوم في المدارس وفي الثقافة الشعبية، ومن خلال المسلسلات التلفزيونية التاريخية. منذ أيام آل هابسبورغ (أحد أهم العائلات المالكة في أوروبا من أصل ألماني) الذين قدموا أنفسهم على أنهم المدافعون الكبار عن الكاثوليكية ضد البروتستانت والإسلام، تم بناء الدولة الإسبانية على أنها كاثوليكية وأوروبية في الغالب.

“هيمنة أجنبية” طويلة الأمد

لا تزال القرون الثمانية من وجود الأندلس مقصاة من التراث الإسباني، وتعتبر صفحة مؤسفة في التاريخ أغلقت بشكل نهائي مع غزو غرناطة عام 1492 وطرد آخر المسلمين عام 1609.

لهذا السبب، ليس من الغريب أنه من بين ما يقرب من 10 آلاف اسم تظهر على خريطة شوارع مدريد، هناك 3 أسماء فقط ترسخ 800 عام من التاريخ والحضارة الأندلسية: وهي ساحة مسلمة، وشارع صغير مخصص للفيلسوف ابن رشد، وذلك بالتأكيد بسبب تأثيره على المدرسة المسيحية أكثر، وحديقة سميت باسم الأمير محمد الأول، مؤسس المدينة. وذلك يرجع إلى حد كبير للظروف السياسية أواخر الثمانينيات ووجود فترة من التعاطف النسبي مع الإسلام.

اكتشف التراث القديم

طوال القرن الماضي، عادت العديد من بقايا مدريد الأندلسية إلى الظهور، على غرار جزء جدار عمره ألف عام، وتحف أثرية مرتبطة بالحياة اليومية، ومقبرة إسلامية ضخمة. لكن لا يتم الإعلان عنها، وقليل من الناس يعرفون بوجودها، على الرغم من أنها أقدم مقبرة في المدينة.

إلى جانب البقايا المادية، هناك أيضًا تراث غير مادي. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن القديس الراعي إيزيدور، وهو شخصية أسطورية يعود أصلها إلى زمن الفتح المسيحي، هو في الواقع شخصية توفيقية تم إنشاؤها من ذكرى المرشد الصوفي، يونس الأزدي.

مع ذلك، لا يزال كل هذا غير معروف، لأن المبادرات الهادفة إلى إبراز هذا التراث وتفسيره كانت قليلة جدًا. إن استعادة تراث مدريد الإسلامي يخدم وظيفة مزدوجة. وهي من ناحية، الحفاظ على الوعي وتعزيزه كعنصر أساسي في تاريخ المدينة. ومن ناحية أخرى، المساهمة في تصور التنوع كعنصر مكون لمدريد منذ تأسيسها، وعلى أنه ليس ظاهرة مستوردة أو توجها حديثًا.

———————-

المصدر : أوريان 21 + الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى