مقالات

البعد النفسي في الأزمات والمواقف العربية

Latest posts by د. محمد عياش الكبيسي (see all)

ينساق كثير من المحللين وراء مقولة «السياسة مصالح»، ولذلك فهو يبحث في تحليل الأزمات والمواقف المختلفة عن مصلحة هذا الطرف أو ذاك، وهذه المقولة قد تكون صادقة بنسبة كبيرة في المجتمعات الغربية وبعض المجتمعات الآسيوية، أما في المجتمع العربي فربما يكون الاستناد إليها مضللاً في كثير من الأحيان.

التاريخ العربي مشحون بمواقف كبيرة وخطيرة لا يمكن فهمها بلغة «المصالح»، بل ربما يكون الدافع النفسي أظهر وأقوى، حتى لو كان بالضد من المصلحة، فهؤلاء ملوك الطوائف في الأندلس كان باستطاعتهم أن يحافظوا على ملكهم ودفع الخطر الصليبي عنهم بأقل تكلفة، فلم يكن الأمر محتاجاً إلى أكثر من تنسيق مواقفهم وإعلان حلف عسكري، خاصة أنهم يواجهون عدواً مشتركاً، وأن إمكاناتهم التسليحية والاقتصادية لم تكن بمجموعها أقل مما عند عدوّهم، إن لم تزد عليها، لكن نفسية الملوك آنئذ لم تكن تنتبه للمصلحة، بقدر انتباهها أنها لا تريد أن تتنازل، ولو بطلب التنسيق والتعاون.

في بغداد كانت هناك فتنة «خلق القرآن»، جُلد فيها الإمام أحمد بن حنبل وأُودِع السجن، وامتحن فيها العلماء وانقسمت الأمة فيها أيما انقسام، والحقيقة أنه ليست هذه المسألة الفلسفية الدقيقة هي التي قسّمت الأمة، فهناك مئات المسائل الأكثر خطراً والأشدّ وضوحاً والأوسع أثراً، لكن الذي أعطاها كل هذا البعد إنما هو تبنّي الحاكم لها، فأصبح الذي يقول بخلافها كأنه يتجاوز على مقام السلطان، ولذلك انتشرت الشُّرَط والعيون؛ لمراقبة أي كلمة تصدر بهذا الشأن، يُشم منها رائحة التجاوز، مع أن السلطان لا مصلحة له قطعاً ولا لدولته في إثارة هذه الفتنة، خاصة أنها مسألة فلسفية نظرية لا ينبني عليها أي عمل.

وإذا كان الشيء بالشيء يُذْكَر، فقد عشنا سنين في بغداد، والمؤذّن يُحَذَّر من أن ينسى الجهر بالصلاة على النبي عقب الأذان؛ لأن هذه علامة على أنه «وهّابي» إذ كانت سياسة الأوقاف في ذلك الوقت تتبنى الخط الصوفي، وقد تحوّلت المسألة من مسألة فقهية جزئية إلى مسألة «ولاء وبراء»، ودخلت في النفق السياسي، الذي لا يعرف المؤذّنون عنه شيئاً، وقد سمعت وزير الأوقاف آنذاك- رحمه الله- يتوعّد المؤذنين والأئمة الذين يغفلون عن هذه «السنّة»، وحدثنا أنه عاقب بعض الناس بالفعل على ذلك، وطردهم من المساجد!

عالم كبير بوزن علي الوردي،- وهو المتخصص بعلم الاجتماع وبعلم النفس الاجتماعي- يؤكّد أن الإنسان العربي يتحرّك بدافع نفسي محوري، وهو الذي يسميه «الغلبة» أو «التغالب»، أكثر مما يتحرك بأي دافع آخر، علماً بأن هذه النزعة قد تأتي بالضد من مصلحته تماماً، بل قد يدفع حياته ثمناً لها، ويلخّص»الوردي» هذه النزعة بقوله»إنه يودّ أن يكون ناهباً لا منهوباً، مُعْتَدِياً لا مُعْتَدى عليه، معطياً لا قابضاً، مقصوداً لا قاصداً، مغيثاً لا مستغيثاً، مجيراً لا مستجيراً، حامياً لا محمياً، مشكوراً لا شاكراً»، مع ملاحظة أن هذه النزعة تتعاظم في العلاقات والمنافسات بين العرب أنفسهم، وتضعف في كثير من الأحيان أمام الآخرين، فالعربي الفخور جداً بقوته وأنفته قد لا يكون كذلك أمام فارس والروم.;

حينما نقرأ مثلاً عن تاريخ الغساسنة والمناذرة، نجد العربي في هاتين الدولتين أقل حميّة تجاه سطوة الفرس أو سطوة الروم، وليس أدل على ذلك من أن المواجهات التي تحصل بين العرب وغيرهم، لا تكاد تذكر أمام حالات الغزو المتكرر فيما بين القبائل العربية أنفسها، علماً بأن الدول المحيطة بالعرب كانت في كثير من الأحيان تذل العرب وتمتهنهم، وهي بنفس الوقت تغريهم ببعضهم، وتحرّك فيهم دوافع العزة والأنفة فيما بينهم! ربما المواجهة الأبرز كانت يوم»ذي قار» بين العرب والفرس، وهي-على ندرتها- لم تستمر كما استمرّت مثلاً حرب البسوس، وقطعاً نحن نتكلم عن العرب كعرب، وليس بعد أن انطلق بهم الإسلام في حضارته الشامخة وفتوحاته الممتدة، والتي لا شك أنه قد تمكّن من توظيف نزعة الأنفة أو «الغلبة» وجعلها في مسارها الصحيح.

هنالك مثال آخر في التاريخ الجاهلي يؤكّد الفرضية التي ننطلق منها، والتي أسسها «الوردي» أن جيش «أبرهة» الذي اخترق الجزيرة العربية حتى وصل إلى مكة، لم تعترضه أية قبيلة عربية، ولم يعترضه حتى «سفهاء قريش» بل اتسموا جميعاً بـ «الحكمة»، وهذا لم يكن يحصل أبداً لو أن قبيلة عربية قامت بهذا الغزو، مهما كان حجمها وقوّتها، في حين أن «أبرهة» لم يأت بالأسلحة التي تختلف عن أسلحتهم، ولو أن العرب تحالفوا فيما بينهم وقدّموا عُشْر ما قدّموه في البسوس لكان لهم موقف آخر، مع أن»أبرهة» كان يقصد رمز عزتهم وأنفتهم وعنوان شرفهم؛ الكعبة، لولا أن الله حماها بآية من آياته، ومعجزة من معجزاته.

حينما نتذكر كل ذلك التاريخ، وننظر في الواقع المر الذي نعيشه نرى ما تتقطّع له القلوب، فمهادنة الأجنبي والتودد إليه وتقديم الرشوة له أمر تقتضيه الحكمة والتوازنات المطلوبة- وقد يكون الأمر كذلك- لكن هذه الحكمة تغيب في أي احتكاك داخلي بين العرب أنفسهم.

لقد كان العرب بإمكانهم أن يحتووا قوّة صدام وجيشه، الذي كان قادراً بكفاءة عالية أن يصدّ عنهم الخطر الشرقي، وقد فعل ذلك لثماني سنوات، ولم يكن هذا الاحتواء يكلفهم شيئاً، قياساً بما ندفعه اليوم لغيره، وقد كان بإمكان صدام أيضاً أن يحتوي أزمته مع الكويت- وهم الأشقاء الذين وقفوا معه لثماني سنوات-، ولكنّ الطبائع لا تتغير.

اليوم بدأ استعراض القوة على دولة مثل قطر، لماذا؟ هل استعصى الخلاف إلى الحد الذي لا يمكن معه الحل؟ هل بدأت قطر تشكل خطراً أشد من خطر إيران وإسرائيل؟ ما هي القصة؟ وأين المصلحة في ذلك؟!

المشكلة أن هذا في النفسية العربية لا يشكل حدثاً قابلاً للتطويق بحيثياته وملابساته القريبة، وأن يبقى محصوراً في دائرته الزمانية والمكانية، بل النفسية العربية علمتنا دائماً أنها تميل إلى الاستقطاب فهي تستقرئ مواقف القريبين والبعيدين والساكتين والمترددين والذين ليس لهم علاقة بالموضوع أصلاً، ليأخذ الحدث منشاره العميق في جسد الأمة؛ فيشقها إلى ما لا يعلمه إلا الله، ولذلك ترى المسارعة في تسجيل المواقف وإصدار الفتاوى والبيانات عن علم وعن غير علم، بموضوعية أو بمحسوبية، والله أعلم بالنوايا والقصد، لكن الذين يفكرون بالحل وبتدارك الأمر وتطويقه أقل من غيرهم بكثير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى