آراءمقالات

الاسطوانة المشروخة (2)

Latest posts by رانيا مصطفى (see all)

في مقالي السابق (الاسطوانة المشروخة “1”) تحدثت عن نغمات نشاز تبدأ جميعها بمفتاح ” الإخوان”، تلك الكلمة التي توضع في أي حوار لتصنع جملة مفيدة، كلمة تكفى وحدها لتصنع شماعة تحمل كل خيبات شعب مصر، كلمة سحرية يختفي حين ذكرها شباب يظهرون فيما بعد مقتولين دون أن يهتم أحد بقصاص لأجلهم؛ ونفس الكلمة ترفع كل متسلق لينال منصبا مؤثرا في شبه دولتنا.

اليوم أكتب عن الاسطوانة المشروخة الثانية، تلك التي تعزف على نغمة “مرسي”، ذلك الرئيس المنتخب الذي توافق المنقلبون على حذف كل أثر لوجوده من صور بمؤسسات أو تاريخ في كتب، ذلك الرجل الذي سيبقى رغم أنوفهم رئيس مصر الشرعي ولو كرهوا.

تحدث متصنعو الحيادية كثيرا عن فشل مرسي وضعف حكمه، والعجب أنهم مهما تكشفت أمامهم الحقائق لا يرجعون، وإن دل ذلك على شئ إنما يدل على أن الأمر هو هوى فى النفس لا علاقة له بعقل أو منطق، بل والأعجب أنك لا تجد رشيدا منهم يذكر حسنة يتيمة للرجل خلال عام حكمه، وكأن حكم مرسي كان شرا محضا لا خير فيه أبدا!!! وأيقن أنك لو سألتهم عن تقييمهم لأى من الطغاة الذين حكموا مصر لتحدثوا عن مميزاتهم وعيوبهم بمنتهى العقلانية، ولكن يبدو أن كرههم للرجل وجماعته أقوى من أن يتشبثوا بعدل، فقالوا…

(لو كان مرسي استمع لأبي إسماعيل).. عرض مرسي على “أبو إسماعيل” الانضمام إليه، ورفض حازم بحجة أنه يريد أن يتعامل بحرية مع العسكر دون أن يمس ذلك الرئيس، فماذا كان على مرسي أن يفعل إذن؟! أن يتبنى فكره؟! وهل تظنون أن “أبو إسماعيل” لو كان قدر له أن يكون رئيسا، كان سيسلك مسلكا ثوريا ينفذ كل ما تحدث عنه؟! من كان سيسمح له؟!

(كان على مرسي أن يضرب بيد من حديد فور إقالة طنطاوي وعنان).. وما أدراكم أن إقالة هؤلاء كانت بتلك السهولة التي تتخيلونها ولم تكن بصفقة؟! مرسي الذي تأخر في إعلان التشكيل الوزاري بسبب معارضة الجيش لاختياره لبعض الشخصيات، ما كان يستطيع ان يفعل أكثر من ذلك، وأرجو ألا تجيبوا بأنكم كنتم ستدعمونه، فقد فعل ما هو أقل من ذلك عندما قام بتغيير النائب العام، الذي كان مطلبا ثوريا وثرتم جميعا ضده.

(مرسي قال أن فى الجيش رجال من ذهب).. وماذا كان يفترض أن يقول رئيس جمهورية على الهواء مباشرة وأمام العالم عن جيشه؟! أيقول أنه جيش خائن؟! أولم يدر ببالكم مثلا أنه ربما يؤجل انقلابا علم بوادره، أم أن اتهامه بالغباء كان أسهل؟! هذه العبارة تفشت بين الجمهور كما عبارة (عزيزى بيريز) التي كانت تستخدم في الخطابات الرسمية بغض النظر عن شخصية الرئيس المرسل، واللطيف في الأمر أن منكم من عبر خط 30 يونيو مع قائد الجيش الذي فيه رجال من ذهب، مقتنعين أنه المنقذ وهو نفسه الذي استقبل نتينياهو ليلا فى زيارة خاطفة لا يعلم فحواها أحد!!! ولعلى أذكركم أن مرسي فى ذات خطبة أشار فقط لحقبة الستينات وحكم العسكر وقتها، فتندرتم عليه واتهمتموه بأنه ليس رئيسا لكل المصريين، وبرغم  أنكم تعلمون حق العلم أن عسكر اليوم ما هو إلا امتداد لعسكر الأمس، إلا أنكم خطأتموه!!

(مرسي هو من أتى بالسيسي، والإخوان قالوا أنه وزير دفاع بنكهة الثورة).. إن كان مرسي أتى به كوزير دفاع، فقد رفعتموه ليصير رئيس جمهورية أو على الأقل حملتموه على الأعناق وفرشتم لدباباته الطريق ورودا ليصبح هو الآمر الناهي بالرغم من أنكم كنتم تعلمون ما سيصير إليه الحال.

(مرسي كان يأتمر بأمر الجماعة وينفذ أجندتها).. جملة عابثة.. أنتظر دليلكم عليها، لو كانت حجتكم أن قراراته تسير متفقة مع نهج الجماعة، فإن هذه تعتبر أكثر البراهين سذاجة! فكل ربيب لحزب أ جماعة أو حركة، يسير وفق فكرها، بل إنه يخشى انتقادهم، فيتراجع عن مخالفتهم، ولا تكابر فتدعي أن أيا من الحركات التى ظهرت بعد الثورة استطاعت فعل عكس ذلك.

(مرسي لم يطبق الشريعة لذا عاقبه الله فلو كان طبقها لأفلح).. بهذا المقياس يكون قطع رقبة نبي الله يحي على يد بغى، ويكون شق زكريا بالمنشار في الشجرة، ويكون إلقاء أصحاب الأخدود فى النار، كل ذلك ألوان عقاب من الله لهم!!! ولا أقول أن مرسي نبي أو أنه من عباد الله الصالحين -والله أعلم بعباده- ولكني أقول أن هذا المقياس فاسد لو قارنا قتل نبي بحياة حاكم ظالم مرفه يعيش فى رغد، ترى أيكون الظالم المرفه غير مغضوب عليه من ربه ويكون النبي المقتول قد نال جزاءه؟!

(مرسي لم يصارح الشعب بأنه لا يحكم).. هل كان عليه أن يقف ويعلن فى خطبة عصماء أمام العالم أنه لا يحكم فيهز هيبة منصبه؟! ولنفترض أن الرجل وقف وقال بعلو صوته أنه لا يملك صلاحيات، كيف تتوقعون أن يكون رد فعل شعبه الذى لم يجتمع عليه؟! كانت رابعة لتكون أبكر، فالبعض سيقف خلفه ليؤازره فى ميدان، والبعض سيقول له “مصر كبيرة عليك”، “مش قد الشيلة متشيلش”، وكان الجيش سيتدخل للفصل بينهما بأن يستولي على الحكم، نفس النتيجة ولكن مذلة لرئيس منتخب، أنلوم على الرجل وقوفه بشرف؟! تحدث الرجل كثيرا بشكل مبطن فى خطاباته ولكن أحدا لم يسمع، راهن على ذكاء وفطنة متلق يتلهف لإنجاح ثورة، في حين أن هذا المتلقى كان يتصيد له نظرة فى ساعة ومسح بمنديل!!

(مرسي لم يكن مرنا أمام الهجمات المضادة للثورة).. وأى مرونة أكثر من أن الرجل قبل بحكم قضائي بحل مجلس الشعب، ثم بحل اللجنة التأسيسية الأولى للدستور، ثم عرض مناصب حساسة على معارضيه وقوبلت بالرفض، ثم تراجع عن إعلان دستورى، ثم شكل جلسات مصالحة وطنية لم يحضرها ووافق مقدما على ما سيتفق الحاضرون عليه، وحتى آخر لحظة وافق على المبادرة التى كذب قائد الانقلاب حين ادعى أن مرسي رفضها، فبالله عليكم، خبرونا، ماحجم المرونة التى كنتم تنتظرونها منه إلا إن كنتم تنتظرون منه أن يتنازل عن الحكم لخصومه!!!

(مرسي كان ضعيفا ).. قلت مرارا أن قوة الرئيس إما أن تنبع من قلب ثورة يلتف أبطالها حوله، أو من جيش وشرطة تأتمر بأمره. لم يحظ مرسي بهذا أو ذاك، فالثوار مزقوه المؤيدين له و المعارضين على حد سواء، والجيش والشرطة لم ينفذوا له أمرا ولم ينتووا لأنه من خارج العائلة العسكرية المالكة؛ فلو كان الرجل ضعيفا، فأنتم يا أهل الثورة من أضعفتموه، ولو كان هشا كما تحبون أن تروجوا لتميتوا ضمائركم، لما وقف بشجاعة ليلقى آخر خطاب له، وهو يعلم أنه لا محالة سيلقى فى غيابات جب لن يلتقطه منه سيارة، وإلى اليوم مازال لديه اختيار أن يخرج هو وفصيله فى مقابل أن يبيع قضية  لم يفرط فيها وبعتموها أنتم بثمن بخس.

إن كان لمرسي خطيئة، فهى رهانه على شعب ذاق طعم الحرية،وتصور أنه لن يضحى بها بأى ثمن، كان رهانه على أمعاء أذابها شوب من حميم الظلم تمنت أن تخرج من أصل الجحيم  وظن أنها ستحارب حتى لا ترجع إليه، والحقيقة أن خطيئة من حسبوا أنفسهم على ثورة يناير كانت أكبر حين عادوا وأكلوا من شجرة العسكر، فخرجوا واخرجونا معهم من الجنة.

يتبع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى