مقالات

الاستراتيجية الفكرية والسياسية لمكافحة الإرهاب

Latest posts by طارق فكري (see all)

الإرهاب فكرة واعتقاد أتبعهما ممارسة وتطبيق لهذه الفكرة؛ فكان لزاما محاربة الإرهاب فكريا ومحاصرته سياسيا ليمثل ذلك معالجة وقائية قبل حدوث أي فعل يُعد تعدٍ على الشرع والإنسانية والقانون.

أبرزنا السلبيات لدى الأنظمة العربية في مواجهة الإرهاب وقصرهم هذه المواجهة على الحلول الأمنية، كما لم نغفل سلبيات المجتمع الدولي في مواجهة الإرهاب، فظهر لنا من خلال عرض هذه السلبيات كيف تم صناعة أفراد وتنظيمات إرهابية، وأوضحنا أنه لن تتم المعالجة الوقائية بدون إطلاق للحريات وإشراك الجميع بما فيهم الدُعاة المعتدلين والتيار السياسي ذو المرجعية الإسلامية في مكافحة الإرهاب وفي إدارة نظام الحكم.

كما أثبت البحث وجود فجوة بين النظرية والتطبيق فيما يُطلق من مؤتمرات مكافحة الإرهاب أو إنشاء منهجيات ومدارس فكرية وسياسية لم تنل حظها من التطبيق، بل واستغلال بعض الأنظمة هذه الموجة العارمة من الإرهاب للنيل من الخصماء السياسيين وتكميم أفواه المعارضين واستغلوا في ذلك إشكالية عدم تحديد ماهية الإرهاب وتعريفه نظرا لغلبة العامل السياسي عليه، مما جعل تهمة الإرهاب سيفا مُسلطا على رقاب السلميين من الحركات والأحزاب والجماعات والشعوب المقاومة للاحتلال، كما أعطت الفرصة لكثير من الدول لتدمير الشعوب واحتلالها باسم مكافحة الإرهاب.

المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة أخفقا في التعامل مع تفشي ظاهرة الإرهاب بسبب التماهي في الاعتماد على الحلول العسكرية، بل لم يحدث توافق حول منهجية مكافحة الإرهاب من الجانب الفكري والسياسي.

لم يغفل البحث الدور الإيجابي لمؤسسات المجتمع المدني كأداة من أدوات مكافحة الإرهاب، والتنويه إلى أن التضييق عليها يعطي فرصة لانضمام الشباب لمنظمات الإرهاب والانخراط فيها.

كما تم رصد علاقة الإرهاب بالعولمة واستخدام الرابط التكنولوجي كأداة أوصلت التنظيمات الإرهابية إلى مستوى العالمية؛ مما سهل من انتشارها وتبني كثير من الشباب هذه الأفكار والممارسات الإرهابية.

العولمة والإرهاب:

العولمة ظاهرة غربية بامتياز كانت نتاج لعدة تحولات رأسمالية ثم امبريالية ثم العولمة التي تغلغلت وانتشرت في كل وسائل ومقومات الحياة الحديثة ساعد على ذلك وجود وتفوق العامل التكنولوجي.

أثرت العولمة في معدل الإرهاب وكانت العلاقة بينهما طردية بحيث تزداد العولمة يزداد الإرهاب، تقل العولمة يقل الإرهاب، وإن كانت ليست بنسب متساوية، وهذا ما يفسر الانتشار والتمدد السريع للإرهاب في هذه الآونة.

تم عمل دراسة عام ٢٠٠٦ تبين منها العلاقة بين العولمة والإرهاب من خلال التحليل (الكمي) الإحصائي باستخدام معامل الارتباط بيرسون (ر) تبين “وجود ارتباط قويّ بين المؤشّر العامّ للإرهاب والمؤشر العام للإرهاب، وأن اتجاه العلاقة بين المتغيرين هو اتجاه طرديّ – إيجابيّ، وأن حجم هذه العلاقة بلغ (67%)، مما يعني أن لدينا ارتباطاً قوياً جداً بين الظاهرتين، وأن هناك تعبيراً إحصائياً كميّاً عن درجة العلاقة بين الظاهرتين…وقد تعزز عمق هذا التحليل باستخدام “معامل الانحدار”، الذي بين حجم العلاقة الهيكلية الوظيفة بين الظاهرتين، وأثبت أن هذه العلاقة طردية إيجابية وذات دلالة إحصائية، حيث إنه لو زاد المؤشر العام للعولمة بمقدار وحدة واحدة فقط، فإن مؤشر الإرهاب العامّ سيزيد في المقابل بمقدار (47%) من الوحدة، وهذا يعبر عن قوة هذه العلاقة ، ولزيادة التحليل عمقاً أكثر، فقد أثبت استخدام “معامل التحديد R2” أن (45%) من التغيرات التي طالت ظاهرة الإرهاب في الدراسة كانت بسبب ظاهرة العولمة؛ بمعنى أن تغييرات وتباينات ظاهرة العولمة تفسر لوحدها 45% من تغييرات الإرهاب أو دالة الإرهاب، وأن ما تبقى، وهو (55%) من التغيرات، فإنه يُعزى لأسباب أخرى، ومتغيرات عديدة غير العولمة([١٢]).

– لم يستفد الإسلام الوسطي من العولمة بسبب قمع الأنظمة لتيارات الإسلام الوسطي ؛ مما أعطى مساحة لتمدد تيارات العنف في المساحة التكنولوجية وبالتالي الفكرية لدى الشباب .

– العولمة بأدواتها دفعت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى العالمية ؛ مما أدى لاعتناق كثير من الشباب لهذا الفكر بدون تواصل مع قادة التنظيم ومُنظريه .

– العولمة تدخلت في كل شيء دافع ومؤهل للإرهاب فهناك عولمة الفقر، عولمة الخبرات الإجرامية، عولمة الاقتصاد، عولمة التكنولوجيا، عولمة الثقافة، وكل هذا استطاعت التنظيمات الإرهابية (داعش) الاستفادة منه؛ ليتم استخدام العولمة ضد الإرهاب، وجعلها تدخل معه في علاقة عكسية وليس طردية كما هو واقع الآن يجب التعويل على الإستراتيجية الفكرية والسياسية، فالحكومات فشلت أمام داعش في استخدام العامل التكنولوجي رغم ما أنفقته في عمل لجان إلكترونية، وما أنفقته في المراقبة، ولو أطلقت الحريات لذوي التيار الوسطي المعتدل وعدم فرض الحظر عليهم ومراقبتهم لهم لكانت لقواعدهم شريحة أو حيز كبير في استخدام العامل التكنولوجي ومكافحة داعش وأفكارها.

الخاتمة:

في ختام هذا البحث نؤكد على استخدام وتطوير الإستراتيجية الفكرية والسياسية لمكافحة الإرهاب؛ لتتحول العولمة أداة ضد الإرهاب وليست خادمة له، ولإشراك جميع شرائح المجتمع في مكافحة الإرهاب؛ بمحاولات الدمج السياسي للتيارات المعتدلة لنستنهض من خلالها قواعدها الشعبية ضد الإرهاب ،كما يجب أن تتضافر جهود المجتمع الدولي مع الدول العربية للتأكيد على رفع مستوى الإستراتيجية الفكرية والسياسية من خلال إطلاق الحريات واحترام الأديان وإدماج الإسلاميين في برامج مكافحة الإرهاب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى