آراءمقالات

الإيجابية.. إكسير التغيير

Latest posts by طارق فكري (see all)

التغيير هو حلم يراود الكثير من نخب وشعوب العالم الثالث لطالما أخفق هذا الحلم وتكسر على صخرة السلبية الشعبية التي صنعت وحافظت على صنم الاستبداد السياسي ودعمت لوبي الفساد الإداري والمالي؛ فكان لزاما على النخب السياسية والمثقفين وأصحاب رسالات التغيير أن يغرسوا قيمة الإيجابية ويربوا الشعوب على اختلاف مراحلهم العمرية ويخرجوهم من مستنقع السلبية ورذيلة الدياثة.

– الوعي السياسي يرتكز على ثلاث ركائز منها:

– الحرية

– الديمقراطية

– الإيجابية

وبدون الإيجابية تظل الحرية والديمقراطية حلما، بل كابوسا؛ لأنك بدون الإيجابية لن تحقق الديمقراطية ولن تُمنح الحرية، ألسنا حقا نمارس الحرية السلبية التي تحدث سارتر عنها: “القدرة على أن تقول “لا” دون أن يكون لدينا القدرة على الإبداع.

الإيجابية تعني أن تكون مُغيرا أن تكون مخططا أن تكون مبدعا، كما تكون حائط صد أمام مسببات قتل الإيجابية وتوليد السلبية وأهمها: اليأس وتوظيف الخوف سياسيا.

نبني الإيجابية في الفرد عن طريق التوعية السياسية والتثقيف السياسي والغرس الإيماني والابتعاد عن السلبيين فلديهم مشكلة مع كل حل،فهذا قانون تغيير العقليات (لأينشتاين): القانون يقول: “لن نستطيع أن نواجه -أو نعدل- المشاكل المزمنة -التي نعاني منها- بنفس العقليات التي أوجدت تلك المشاكل “، يعني أن من صنع المشاكل عن عمد وعن فكر ومنهجية بعينها لن تحل تلك المشاكل به هو نفسه بل، نحتاج إلى رافد بشري إيجابي بفكر جديد يقوم على هذا التغيير.

وما نيل المطالب بالتمني ::: ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

وما استعصى على قوم منال ::: إذا الإقدامُ كان لها ركابا

هدم الإيجابية تتم بمعاول الأنظمة الديكتاتورية لترضخ الشعوب وتُستعبد، كما أنه بالقمع والعنف تُرهب الشعوب ويوظف خوفها سياسيا ليكون المنتج شعبا سلبيا، اليأس أداة لصناعة السلبية بالخوف وبدون الخوف،فهناك عوامل غير الخوف تغرس اليأس في النفوس والضمائر.

الإيجابية تحتاج إلى تغيير الأوضاع التي استقرت عليها النخبة المغيرة ولم تنتج تقدما في مسار الحرية والديمقراطية؛ لأن هذا الركود والجمود يبعث باليأس عند الشعوب، ويصبح شعارهم “مفيش فايدة”، فالثورة التي قُمعت وانطفأت شعلتها يجب أن تتحور إلى وضع جديد ولا تموت متجمدة في موضعها، فتحورها لمعارضة سياسية تلملم شتات أبنائها حتى لا يضيعوا بين القمع والتيه في الحياة بعيدا عن فكرهم ونهجهم التغييري بل، ربما تُقمع المعارضة السياسية فتلجأ النخبة إلى العمل الاجتماعي حيث أعمال البر والتوعية المجتمعية الاجتماعية لحين تغير الأوضاع وتأهب النخب والقواعد للصعود إلى قمم التغيير وميادين المعارضة السلمية.

الإيجابية تصنع جيلا مفكرا مبدعا سلميا ينبذ حركات العنف ويصنع الحلول التغيرية والسياسية بعيدا عن الفشل والإحباط والمظلومية، وما تحول كثير من الشباب إلى العنف إلا نتاج إنسداد أفق التغيير أمامهم ويأسهم من كل طريق سلمي وفقدانهم لإيجابية حقيقية.

علموا النشء الإيجابية فاجعلوهم يرفضوا الفساد بداية من المدرسة ويسلكوا مسارات قانونية إنسانية أخلاقية نحو تغيير هذا الفساد أمام مدرس فاسد أو مدير متعسف، قالت صحيفة تليجراف أن المصريين استطاعوا أن يقولوا “لا ” في ميدان التحرير وانتقلت صداها للأجيال الجديدة التي ظهرت مواقفهم المختلفة أمام وقائع الفساد، كما حدث في مدرسة، إذ اعترض التلاميذ على تحصيل إدارة المدرسة خمسة جنيهات من كل طالب بدعوى شراء هدايا ” عيد الأم” لكن المدرسة استولت عليها فخرجوا ثائرين، أقول: هذه إيجابية من بقايا ثورة علمت العالم، فهذا مشهد لم نره قبل ثورة يناير وعلى الأخص في هذا الجيل الصغير.

الإيجابية لا تغير الأنظمة السياسية المنحرفة فقط بل، تكون مساعدا ودرعا قويا للأنظمة السياسية الديمقراطية، حيث تقضي على الفساد المالي والإداري والأخلاقي مما يدفع بقاطرة التقدم تحت مظلة النظام، فاصنعوا جيلا إيجابيا يغير الشارع ويُقوِّم إدارة المدرسة، ويقاوم المرتشيين وسارقي المال العام.

التنمية السياسية حيث إقامة مؤسسات سياسية قادرة على التغيير والمشاركة لن يتم ولن يؤتي ثماره بدون قاعدة شعبية إيجابية، فكان حقا على هذه المؤسسات من حركات وأحزاب وجمعيات حقوقية أن يكون هدفها الأول هو زرع الإيجابية والنهوض بالوعي السياسي وعلى الأخص دول العالم الثالث التي تعاني من السلبية وفقدان الوعي السياسي.

تعالوا نعلم ونتعلم الإيجابية في ميادين القانون والدستور باستخدامهما كأداة نقف بهما أمام القوانين الجائرة والتعديات على الحقوق، تحركوا نحو إصلاح المؤسسات وتقويم معوجها وتطهير فسادها بالقانون حتى لو كان النظام السياسي منحرفا عن المسار الديمقراطي.

الإسلام خص الإيجابية بخصائص لم تلق مثلها في ديانات وأيدلوجيات أخرى حيث جعل خيرية الأمة متوقفة على مدى إيجابيتها قال الله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، وقال رسول الله [إذا رأيت أمة تهاب الظالم أن تقول له يا ظالم فقد تودع منها]

 قوله تعالى {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، لقد سمى الله السلبي في هذه الآية “كّلاً” والإيجابي بـ “يأمر بالعدل”.. “كَلٌّ” أصعب من سلبي. لأن سلبي معناها غير فعال أما كلّ فمعناها الثقيل الكسول وقبل هذا فهو “أبكم” لا يتكلم ولا يرتفع له صوت.

المجتمع الإيجابي هو المجتمع الأكثر أمنا وأعظم توافقا، وهو الصانع لسياساته والحاكم لدولته فأيقظوا الهمم بنور الحقيقة وغيروا الواقع بغرس الإيجابية.

لن تستطيع النخب والأحزاب السياسية وحركات التغيير والضغط الشعبي أن يغيروا من واقعهم السياسي (تقدمهم نحو الحرية والديمقراطية) في وسط شعب يرتع في سلبية وتغييب وعيه الثقافي والسياسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى