مقالات

الإمام البخاري (2)

Latest posts by حمدي شفيق (see all)

[starbox] زرع الله عشق العلم في صدر الفتى، فلم يبلغ 16 سنة حتى كان قد حفظ كُتُب عبد الله بن المُبارك ووكيع بن الجَرّاح وغيرهما من كبار علماء السلف رضي الله عنهم أجمعين.

ومن تدبير الله للبخاري كذلك،أن أباه كان ميسور الحال، و ترك له مالا حلالا يكفي لتغطية نفقاته الضرورية،و بهذا تفرّغ لطلب العلم. ويُروى عن أبيه أنه قال قبل موته: لا أعلم في مالي درهمًا واحدًا من حرام. ولعل الله تعالى قد بارك له فى ذريته بهذا. وعندما بلغ البخاري17 سنة خرج مع أمه وأخيه إلى مكة المُكرّمة، لأداء فريضة الحج، ولم يُهدر الفرصة السانحة لتلقّى العلم على أيدي فحول البلد الحرام، فبقى بها، وعاد أخوه بأمّه إلى بخارى. وخلال سنوات جمع رضي الله عنه ما لدى المكيين ثم ما عند علماء المدينة المُنوّرة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يكتف بهذا، فقد راح يتنقّل طوال عمره، بلا كَلَل أو مَلَل، في سائر أنحاء العالم الإسلامي، كالعراق والشام ومصر وجميع بلاد ما وراء النهر، عالما ومُتعلّما. و يكفى أن نعلم أن عدد شيوخه قد تجاوز الألف، أي أنه قد اغترف من بحار كل علماء زمانه تقريبا. وأمّا تلاميذه الذين سمعوا منه مُباشرة، وكتبوا عنه فقد بلغوا عشرات، بل مئات الألوف من سائر البلدان، ثم نهلت الأمّة كلها من مؤلفاته إلى يومنا هذا.. وكُل من يأتي بعده من أهل العلم إلى يوم القيامة، فهو من تلاميذه الذين يدينون له، بل الأُمّة كلها تدين له بالفضل.

وشاء الله تعالى أن يعرف الجميع فضل وعلم البخاري في كل مكان ارتحل إليه.. ومن ذلك أنه عندما دخل بغداد أراد العلماء هناك اختبار ذاكرته وكفاءته وعلمه، فأمروا مائة من الرجال أن يسألوه عن مائة من الأحاديث، بعد تغيير أسماء الرواة، وقلب الأسانيد -سلسلة رواة الحديث-فاستمع إليهم بهدوء وصبر، وفى كل مرة يجيب على طارح الحديث: “لا أعرفه”فظن غير الراسخين أنهم قد نالوا منه، وأنه قد عجز أمامهم. لكن كبار الشيوخ أمروهم بالانتظار حتى يسمعوا منه بعد أن يفرغوا من عرض المائة حديث، وحدث ما توقّعه العقلاء، إذ راح البخاري يواجه السائلين واحدا تلو الآخر -بالترتيب- فقال للأول: أنت قلت كذا وكذا، والصواب هو أن هذا الحديث رواه فلان عن فلان عن فلان، وقال للثاني مثل ذلك.. إلخ حتى فرغ من المائة، بدون أن يُخطئ في كلمة أو اسم راو واحد، وراجع القوم الأحاديث المائة، فإذا هي كما رواها البخارى بالضبط، فأقرّوا له بالعلم والفضل. ويُعلّق الإمام ابن حجر العسقلاني على هذه الواقعة،مُبديا إعجابه الشديد بالعلّامة البخاري، ويُلاحظ أنه لم ينس قط رواة ومتون الأحاديث فقط،بل حفظ ما قاله كل واحد من الرجال المائة -في دقائق- وأعاد ما قالوه له بالضبط بلا أدنى خطأ! ويُروى أن هذه الواقعة تكرّرت أيضا فى”سمرقند” إحدى مدن ما وراء النهر-بآسيا الوسطى- وخرج الإمام العظيم من الامتحان أيضا بلا خطأ في لفظ واحد، رضي الله عنه وأرضاه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى