مقالات

الإمام البخاري (1)

Latest posts by حمدي شفيق (see all)

بقلم: حمدي شفيق

كان إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة من تلاميذ الإمام مالك،و روى عنه و عن حماد بن زيد كثيرًا من الأحاديث، رضي الله عن الجميع.و قد أسلم”المُغيرة”جد إسماعيل،على يد اليمان الجعفى، فنسبوه إليه، فكان يُقال له: إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة الجعفى. ولم تكن زوجة إسماعيل بأقل منه صلاحًا، بل ثبتت لها كرامة تواتر ذكرها في كتب المُؤرّخين، وهى أن طفلها الصغير-محمدا-فقد بصره،فدعت الله تعالى أن يرده عليه، وذات ليلة أتاها أبونا إبراهيم صلى الله عليه وسلم، في المنام، وبشّرها بأن الله تعالى قد استجاب لكثرة دعائها، واستيقظت لتجد الغلام مُبصرًا بقدرة الله وحوله و قوته. وبعد وفاة زوجها حرصت على تعليم الصبى، فأرسلته إلى مكتب التحفيظ ببلدها بخارى -مدينة تقع الآن في جمهورية أوزبكستان بآسيا الوسطى- وهناك أتم محمد حفظ القرآن الكريم قبل أن يبلغ العاشرة من عمره. ولأن”كُل مُيسّر لما خُلق له”كما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم، في  حديث رواه البخاري نفسه.

 فقد ظهرت عليه علامات النبوغ المُبكّر،ورزقه الله تعالى ذاكرة حديدية نادرة، وألهمه حفظ الأحاديث النبوية الشريفة، فلزم مجالس المُحدّثين،وأخذ عنهم كل ما في جعبتهم، وكان يحفظ من الأحاديث الشريفة في أيام ما يستغرق غيره فى حفظه شهورا وسنوات، ولا يكتب عند شيوخه، بل يسمع منهم مرة واحدة، فيحفظ ما سمعه فورا عن ظهر قلب، ويكتب رفاقه، ثم يُراجعون ويُصحّحون ما كتبوا على ما حفظ البخاري. وكان ينظر في أي كتاب مرة واحدة، فيحفظه فورًا لا يُسقط منه كلمة! ومن العجائب التي وقعت للنابغة الصغير أنه ردّ على أحد شيوخه الكبار، وصحّح له إسناد حديث، وكان -حينها- في سن الحادية عشرة. وكان المُعلّم هو “الداخلى” أحد أئمة الحديث في “بخارى” في ذلك الوقت، فنهر الصغير، لكن محمدا لم يسكت، وقال لشيخه بشجاعة وثبات: ارجع يا أستاذنا إلى الأصل المكتوب، إن كان عندك. ودخل الرجل منزله، وراجع النسخة المكتوبة، فوجد سلسلة رواة الحديث بالضبط كما قال تلميذه، فأثنى عليه، ودعا له..

 ومن البشريات أيضا ما جرى له بمجلس أحد كبار علماء المنطقة، إذ سأل أحد الحاضرين الصبي عن عدد ما كتب في ذلك اليوم من أحاديث نقلا عن شيخه، فأجاب البخاري: كتبت حديثين، فضحك بعضهم-و كأنه يحسبون ما كتب قليلا-فقال لهم الشيخ ذو البصيرة المُضيئة: “لا تضحكوا منه الآن، فلعلّه يضحك منكم يوما” وبالفعل أصبح البخاري أحد أعلام الإسلام، بينما لا يعرف أحد أسماء من ضحكوا منه فى صغره!.. وكذلك توسّم فيه الإمام أبو حفص أحمد بن حفص الخير، وقال لمن حوله ذات مرّة -بعد انصراف البخاري-: “هذا شاب كيّس، أرجو أن يكون له صيت وذكر” وبالفعل وقع ما أخبر به الرجل المُلهم! ودعا له أحد شيوخه-عبد الله بن منير-وهو من كبار الزاهدين الصالحين قائلا: “يا أبا عبد الله، جعلك الله زين هذه الأمة” ويرى الإمام الترمذي أن الله تعالى: “قد استجاب له فيه”.

 ومن البشارات كذلك، أنه عندما  دخل الصغير البخاري على المُحدّث الجليل سليمان بن حرب، نظر إليه طويلا، وقال لمن حوله:”هذا يكون له يوما صوت”.. وصدقت فراسة العالم الرباني، فلم تمض إلا سنوات،حتى صار البخاري ملء السمع والبصر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى