آراءبحوث ودراسات

د.علي السباعي يكتب: الإسلام والسّيف (4).. الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

Latest posts by د. علي السباعي (see all)

أنا أدرك تمام الإدراك أنّ ما طُرح في المقال السابق كان صادما لكثير من الناس، وحُقّ لمن في قلبه بقية إيمان أن يُصدم، بل ويتألم، فما طُرح يعصف عصفا كالأعاصير، ولا أكتمكم سِرّا أن ما طُرح في المقال السابق كان صادما حتى لبعض من يُشار له بالبنان من العلماء، وسأتعرّض لهذا الموضوع في المقالات القادمة إن شاء الله، وحينما كنتُ قد طلبتُ من الأصناف التي ذكرتها في المقال السابق أن تُجيب على التساؤلات المطروحة، كنتُ موقنا تمام اليقين أنهم لن يجيبوا، لأنني بحثت في هذا الموضوع كثيرا، وسألت كثيرا من العلماء في هذا الموضوع فلم أجد ما يشفي الصدر، لأنه كان صادما بالنسبة لي أيضا. وسأتكلم عن الطريقة التي اهتديت بها إلى الإجابة على هذه الشبهات في الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة إن شاء الله. فأسئلة بهذه الخطورة لا يمكن بحال من الأحوال أن يُجاب عنها في مقال أو مجموعة مقالات، فهذه الشبهات لا يمكن استيعابها والرد عليها إلا في ثلاثين (30) مقالا على أقل تقدير. وطريقة الرد سوف تكون بسرد أحداث ومواقف، ومن خلال هذه المواقف سنضع القواعد والأسس التي تأتي على كل ما ذكر من شبهات في المقال السابق إن شاء الله، وأنا أعدك بإذن الله بعد الانتهاء من هذه السلسلة أنك ستزداد يقينا وإيمانا بأن محمدا صلى الله عليه وسلم ما أرسل إلا رحمة للعالمين، وأن السيف والفتوحات والغزوات والأحكام والشرع الذي ورد في هذه القضايا هو قمة الرحمة واللطف والسلام للبشرية جمعاء، ولكن ما تقدم لا يتحقق إلا بشرط واحد، وهو أن تقرأ هذه السلسلة مرتبة، من أول مقال إلى أخر مقال فيها، اتفقنا؟ بسم الله:

المحور الأول: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.

قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم كان المجتمع العربي ـ قوم محمد صلى الله عليه وسلم ـ عبارة عن تكتلات قبلية هنا وهناك، وكانت القبيلة العربية بالنسبة للفرد كالماء للسمك، فمن لم يكن في قبيلة تحميه فسيكون مستباح الحمى في ذلك المجتمع الذي فلسفته يلخصها الشاعر بقوله:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ::: يُهدم ومن لا يَظلم الناس يُظلم.

والفرد في القبيلة العربية يعتبر ككل القبيلة، فأي اعتداء أو إهانة أو هجاء..إلخ لأي فرد من أفراد القبيلة في أي مكان وفي أي زمان يعتبر اعتداء على القبيلة كاملة، وبالتالي ستحشد القبيلة كل طاقاتها لرد هذا الاعتداء، وقد قامت الحروب وشُنت الغارات بسبب كلمة أو بيت شعر قِيل في فرد من أفراد بعض القبائل. في هذا المجتمع القبلي أرسل الله رسوله العربي محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه الفرقان (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا). فانقسم ذلك المجتمع العربي القبلي بعد بعثته عليه الصلاة والسلام إلى معسكرين، معسكر الإيمان والذي يمثله محمد صلى الله عليه وسلم لوحده!، ومعسكر الكفر والذي يمثله باقي البشر! إلا بقايا من أهل الكتاب، ثم بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة ذلك المجتمع العربي القبلي الجاهلي إلى معسكره الجديد ـ الإيمان ـ وبدأ النُّزاع من القبائل العربية يستجيبون لهذه الدعوة الجديدة حتى اجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من المؤمنين العرب، وبدأت بعد ذلك الأوامر الربانية تشكل هذا المجتمع الجديد تشكيلا جديدا، قال الله تعالى (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين) وقال تعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون). وغير ذلك من الآيات التي قطّعت كل الأوصال والوشائج القبلية، وشيّدت علاقة إيمانية جديدة قائمة على الحب في الله والبغض فيه. وبناء على ما تقدم احتدمت المعركة بين المجتمع الإيماني الجديد وبين أبناء عمومتهم وإخوانهم وآباءهم وأبنائهم وأعمامهم وأخوالهم…إلخ من المجتمع الجاهلي القبلي، فثارت ثائرة هذا المجتمع الجاهلي ومارس على المجتمع الإيماني الجديد كل أنواع الإضطهاد من قتل وتشريد وتحريق ومصادرة أموال..إلخ. وقد عُرض على إمام المعسكر الإيماني عليه الصلاة والسلام كل المغريات ليترك دعوته ولكنه ظل صامدا ثابتا ثبوت الجبال الرواسي. نكّلت قريش العربية! بأبنائها العرب أشد التنكيل حتى اضطرتهم إلى الفرار إلى المدينة النبوية حيث استقبلهم المؤمنون الجدد (الأنصار) وعاملوهم معاملة الأخ لأخيه، فقاسموهم أموالهم وديارهم. ثم استمرت قريش العربية في عداوتها للنبي صلى الله عليه وصحابته العرب حتى وقعت غزوة بدر التي كانت معركة الأخ لأخيه والابن لأبيه وابن العم لابن عمه والخال لابن أخته وكل هؤلاء كانوا عربا، وكان من قدر الله أن تحصد السيوف العربية المؤمنة سبعين من رؤوس وزعماء العرب المشركين. ثم التقى الجمعان مرة أخرى ـ في أُحد ـ فكان من قدر الله أن تحصد السيوف العربية الكافرة سبعين من سادات الصحابة العرب . واستمرت المواجهة بين العرب حتى استقر الأمر على ظهور المؤمنين على الكافرين.

ولنا على ما تقدم التعليقات التالية:

1ـ لا أريد أن أسترسل في سرد تفاصيل القصص والأحداث والوقائع التي دارت بين العرب (المؤمنين) والعرب (الكافرين)، فهي معلومة ظاهرة، ولو أردت أن أكتب عن هذا الموضوع لكتبت المجلدات، فحسبك أخي الكريم أن عمر بن الخصاب رضي الله عنه بعد أن أسر المسلمون سبعين من قريش أن كان رأيه فيهم “ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم ، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكني من فلان – نسيبا لعمر – فأضرب عنقه ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها ” كما في صحيح مسلم.

2ـ ما أردت من هذا المحور إلا أن أصحح مفهوما سائدا بين كثير من الناس، وهذا المفهوم قد روّج له أعداء الإسلام منذ قرون طويلة عبر المستشرقين وأبواقهم المحليين، هذا المفهوم المغلوط هو أن العرب غزوا أو فتحوا بلاد الآخرين، وهذه الكلمة وإن كان ظاهرها الرحمة! إلا أن باطنها السم الناقع!. فالحقيقة أن العرب فعلا هم الذين فتحوا بلاد المسلمين، لكن أي عرب هؤلاء الذين فتحوا بلاد المسلمين؟ فكلمة عرب كلمة عامة يدخل فيها العرب اليهود والعرب النصارى والعرب المشركين والعرب الصابئة…إلخ، فهؤلاء الأعداء يريدون من وراء الترويج لهذه الكلمة أن يُصورا قضية الفتوحات الإسلامية على أنها معارك بين العرب وبين غيرهم من الأمم (الأمازيغ في حالتنا هذه).

مثال توضيحي: (أو سأضرب لك مثلا) كما يحب أن يمازحني بعض أصحابي!

تصور أخي الكريم لو أن جامعة كامبردج أعلنت عن رغبتها في قبول عشرة (10) باحثين من كافة أنحاء العالم، ووضعت شروطا وضوابط دقيقة جدا لقبول هؤلاء الباحثين (كسنوات الخبرة، وكثرة نشر الأبحاث العلمية، والمشاركة في المؤتمرات العلمية…إلخ). فقدّم الباحثون من جميع أنحاء العالم طلباتهم وسيرهم الذاتية إلى الجامعة فبلغت آلاف الطلبات، بعد فرز الطلبات فاز عشرة (10) فقط من الباحثين بهذه الوظائف، لكن كان من قدر الله ـ وهذا الشاهد ـ أن هؤلاء الباحثين العشرة (10) كانوا كلهم عربا. فهنا الجامعة ستتعامل مع هؤلاء الباحثين على أنهم باحثين متميزين لا على أنهم عربا، فسيقال وصل الباحثون المتميزون، وهذا سكن الباحثين المتميزين، وهذه اللوائح خاصة بالباحثين المتميزين…إلخ. ولا قيمة لكونهم عربا من عدمه في هذه القضية إطلاقا، فهؤلاء العرب العشرة (10) لم يستحقوا هذا التكريم كونهم عربا، إنما استحقوا هذا التكريم لكونهم حققوا شروط القبول التي حددتها جامعة كامبردج، وأرجو أن يكون هذا واضحا عندك أخي الكريم. نعود إلى العرب الفاتحين الآن:

3ـ فهؤلاء العرب الفاتحين أخي الأمازيغي ما خرجوا من الجزيرة العربية حتى ابتلاهم الله وزلزلهم زلزالا شديدا بشتى المحن والزلازل، ابتلاهم بالقتل، والفقر، والخوف، والجوع، ونقص الثمرات، وهجر الأولاد والديار…إلخ فما كان منهم إلا الإمتثال والسمع والطاعة لله ولرسوله.

4ـ هؤلاء العرب الفاتحين أخي الأمازيغي ما خرجوا من الجزيرة العربية حتى عُرضت عليهم مغريات الدنيا كلها على أن يتركوا دعوتهم الربانية، ولكنهم رفضوا ذلك من أجل إيصال كلمة الله للناس جميعا.

5ـ هؤلاء العرب الفاتحين أخي الأمازيغي ما خرجوا من الجزيرة العربية حتى عضدتهم السّيوف، ورمتهم العرب عن قوس واحدة (راجع غزوة الأحزاب).

6ـ هؤلاء العرب الفاتحين أخي الأمازيغي ما خرجوا من جزيرة العرب حتى أسالوا أنهارا من دماء أبناءهم وإخوانهم وأعمامهم وأخوالهم في ذات الله ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ثم لما انتهوا من أقاربهم توجهوا بأسيافهم إلى سائر القبائل العربية فأعملوا فيها السيف حتى أقاموا راية الإسلام في جميع ربوع الجزيرة العربية.

7ـ هؤلاء العرب الفاتحين أخي الأمازيغي ما خرجوا من الجزيرة العربية حتى ضربوا الجزية على يهود ونصارى العرب. (راجع قصة وفد نجران وغيرها).

8ـ هؤلاء العرب الفاتحين أخي الأمازيغي ما خرجوا من الجزيرة العربية حتى أدّبهم ربهم فأحسن تأديبهم، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها، فحرّم عليهم الظلم والبغي والعدوان وإتيان الفواحش والموبقات، وألزمهم الطهارة والعفة، وأمرهم بالإحسان في كل شئ حتى للحيوانات “إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته”.

وخلاصة القول أخي الكريم أن هؤلاء العرب الفاتحين لم يستحقوا هذا التكريم من رب العالمين كونهم عربا، إنما استحقوا هذا التكريم لكونهم حققوا الشروط التي حددها رب العالمين ليكونوا أهلا لحمل رسالته لأهل الأرض كافة، وقد اختار الله بني اسرائيل قبل العرب ليكونوا حملة رسالته ولكنهم سقطوا من أول الطريق وكفروا بنعمة الله عليهم كما سأبينه في الحلقات القادمة إن شاء الله.

ولقائل أن يقول وماذا عن الذي ذُكر في المقال السابق هل تنكره؟ أقول أنتظر أخي الكريم واصبر فإن للقصة فصولا ومحاورا ولازلنا نحن في بداية القصة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ لا يزال بعض القراء يستنكر نقل بعض شبهات الملحدين والمشككين، أقول لهؤلاء ما عليك إلا أن تكتب في قوقل (الاتجاه المعاكس وفاء سلطان) وليشاهد هذه الملحدة التي ما تركت شيئا مقدسا إلا سبّته وشتمته في قناة الجزيرة التي يشاهدها الملايين من المشاهدين، وفي برنامج الاتجاه المعاكس الذي ربما يُعد الأعلى مشاهدة عربيا، قائل هذا القول يريد أن يعزل نفسه لا غير، ولا عذر له في ذلك على كل حال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى