آراءمقالات

الإسلام والسّيف (2).. الإعراض عن الشبهات والمنهج الحق

Latest posts by د. علي السباعي (see all)

يتصور البعض أنّ الإعراض عن الشبهات التي تُثار، حول رب العالمين وشرعه ونبيه والجهاد والحجاب والمرأة والحدود ونحو ذلك، هو المنهج الحق، فيقال، الأولى إماتة الشبهة وعدم ذكرها ونشرها بين الناس، وعدم الخوض فيها، ويجب الإعراض عن ذلك بالكلية، ونحو ذلك.

أقول وبالله التوفيق:

أولا: ما تقدم من الكلام صحيح في الزمن الذي قِيل فيه هذا الكلام، ولكنه لا يصلح إطلاقا في زماننا، فحينما نهى السّلف عن الخوض فيما شجر بين الصحابة، كموقعة الجمل وصفّين ونحو ذلك، وحينما نهى العلماء عن مجالسة أهل البدع، أو سماع الشبهات و أقوال الفلاسفة والمتكلمين ونحوهم، كانت الأمة تستظل بظلال الشريعة، ودولة الإسلام قائمة، وأحكام الله ظاهرة، والمرجعية لعلماء الأمة، وكان العالم في حسّ الأمة له مكانة ومنزلة عظيمة، وقوله مُقدّم على قول القبيلة والمنطقة والجهة والمدينة. وإنّ عموم الأمة في الزمن الأول ليس لهم إلا العلماء المشهود لهم بالعلم والصلاح ليتلقوا عنهم دينهم، فإذا قال الإمام مالك أو الشافعي أو أحمد أو أبو حنيفة أو نحوهم من العلماء المُجمع على إمامتهم، قولا، أو فتوى، أو لا تخوضوا فيما شجر بين الصحابة، أو فلان مبتدع فاهجروه ولا تستمعوا إلى موعظته، استجاب عموم المسلمين لأقوال أئمتهم، وصارت تلك الأقوال والفتاوى بمثابة الدّين الذي لا يجوز لهم بحال من الأحوال أن يتجاوزوه، فكانت الأمة محصّنة، بالشرع أولا، وبأحكام الدولة وسلطانها ثانيا، فليس من الحكمة ولا من الديانة ولا من العقل ولا من المنطق بعد ذلك أن نأتي بشبهات الزنادقة والملاحدة وننشرها بين المسلمين بحجة الرّد عليها، أليس كذلك؟.

ثانيا: هل هذا الواقع الذي وصفته في الفقرة الأولى موجود اليوم؟ الجواب لا يخفى على كل عاقل يدرك أبجديات الإدراك، فلا دولة للمسلمين تحمي عقائدهم، وتمنع عنهم الشبهات والغزو الفكري الذي يتعرضون له، ولا يوجد عالم من علماء الشريعة إذا قال بقول، أو أفتى بفتوى، وقفت الأمة عند قوله وفتواه، بل اليوم عالم الشريعة مُشوّه ويُسب من عموم المسلمين أكثر من سبّهم لشارب الخمر وقاطع الطريق، أليس هذا الذي نراه رأي العين؟ بلى وربّ الكعبة، والله المستعان.

ثالثا: وبناء على ما تقدم، صارت الأمة كالقطيع بلا راعي، حمى مستباح لكل الخصوم، فاليوم مئات القنوات والمواقع التي تبث سمومها وأفكارها وشبهاتها، وجيوش جرارة من اليهود والنصارى والمستشرقين والرافضة وأذنابهم العلمانيين لا تكلّ ولا تملّ من تشكيك المسلمين في دينهم وعقيدتهم، تفنن اليوم خصوم الأمة في عرض الشبهات والتشكيك في دين المسلمين، من مسلسلات وأفلام ودراما ومقاطع قصيرة ومؤثرات موسيقية ومسرحيات ولقاءات وندوات ومواقع وهلمّ جرّا، وليس بينها وبين الأمة حجاب، فاليوم دخلت الشبهات إلى بيوتنا ومواقعنا ومنتدياتنا، و يتهافت عليها الشباب والفتيات بلا علم ولا فهم، فمنهم من صار رافضيا، ومنهم من صار علمانيا مبغضا للدّين وأهله، ومنهم من صار داعشيا، بل ومنهم من صار ملحدا، ومن بقي منهم على دينه بقي صدره حرجا ضيقا من تلك الشبهات والشكوك التي يبثها خصوم الإسلام، أفيعقل بحال من الأحوال بعد ذلك أن يُقال إنّ من منهج السّلف عدم إثارة الشبهات والتعرض لها! إنّ هذا لشئ عجاب!.

رابعا: فاليوم على كل قادر من أهل الإسلام أن يذوذ عن دينه، وتقع اليوم مسؤولية عظيمة جدا على طلاب العلم والمتخصصين من الفقهاء والدعاة في نشر الحق، وبيان الباطل، ودحض الشبهات، وبيان حكم الله ودينه، ونشر العلم النافع، فظلام التشكيك في دين الله ونشر الشبهات والصد عن سبيل الله لا يمكن أن يُزال إلا إذا أسرجنا سُرج العلم وأوقدنا شموع السّنة المطهرة ليستنير بها السالكون إلى الله، أما الإعراض عن هذه الهجمة الشرسة على الإسلام بحجة إماتة الشبهات فهو قول لا يسقيم شرعا ولا عقلا ولا واقعا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى